المظلمة ، صورة الإنسان الأخرس الذي لا ينطق ، وقد لا يكون ممن يسمع ، العاجز الذي يمثل وجوده عبئا ثقيلا على مولاه ، ولا يجلب له أيّ خير في أيّ طريق يتوجه إليه. وهناك صورة أخرى ، تتميز بالإشراق (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) وهو الإنسان العاقل الذي يعي جيدا واقع الناس والحياة من حوله ، فيميز بين الاستقامة والانحراف ، وبين العدل والظلم ، ويتدخل لتقويم انحراف الواقع ، ولقيادة الناس إلى خط العدل ، بالكلمة وبالموقف ، ليجلب لهم الخير ، في ما يمثله العدل من معنى الخير ، أو يدفع عنهم الشرّ ، في ما يمثله الظلم من معنى الشرّ ، وهذا هو الإنسان القادر على الخير والعامل في سبيله (وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) في فكره وفي عمله. وإذا كان البعد بين هذين الرجلين بهذا الوضوح ، مما يجعل اختيار الإنسان الأول أمرا لا معقولا ، لا بد معه من اختيار الإنسان الثاني الذي يعطي الحياة معنى كبيرا ، ويحقق لها المنافع على أكثر من صعيد. فكيف تكون الحال عند ما يقف الإنسان بين صورة الإنسان العاجز ، والذي لا يتحرك من موقع الخير ، ولا يملك القدرة النافعة ، وبين صورة الخالق الذي يعطي الحياة وجودها وقوّتها واستقامتها في خط العدل .. أو عند ما يقف بين صورة الداعية إلى الكفر والضلال الذي لا يقدم للحياة أيّ خير ، بل يأخذ منها ولا يعطيها ، ويضرّها ولا ينفعها ، وبين صورة الإنسان الذي يسير على الخط المستقيم ، ويأمر بالسير على خط الاستقامة ، ويحقق للحياة النفع الكبير من جهده ومن فكره ، هل يستويان؟ وربما كان جوّ هذه الآية هو الجو نفسه الذي توحي به الآية الكريمة : (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [يونس : ٣٥].
وهذه هي المعادلة القرآنية التي تقضي بالوقوف مع الذين يأمرون بالعدل ويسيرون على الخط المستقيم الذي يصل بالناس إلى الأهداف الكبيرة في الحياة ، وهو الأمر الذي يحدد للإنسان المسلم الموقع السياسي الذي يتحرك
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
