الجسد ، فتعطيه نشاطا من خلال حركة الحياة في داخله.
ولكن صاحب تفسير الميزان لم يوافقهم على ذلك ، بل اعتبر أن الروح «موجود مستقل ذو حياة وعلم وقدرة ، وليس من قبيل الصفات والأحوال القائمة بالأشياء ، كما ربما يتوهّم ، وقد أفاد بقوله : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : ٨٥] أنه من سنخ أمره ، وعرّف أيضا أمره بمثل قوله : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) [يس : ٨٢ ـ ٨٣] فدلّ على أنه كلمة الإيجاد التي يوجد سبحانه بها الأشياء أي الوجود الذي يفيضه عليها لكن لا من كل جهة ، بل من جهة استناده إليه تعالى بلا مادّة ولا زمان ولا مكان كما يفيده قوله : (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) [القمر : ٥٠] فإن هذا التعبير إنما يرد في ما لا تدريج فيه ، أي لا مادّة ولا حركة له. فتحصّل أنّ الروح كلمة الحياة التي يلقيها الله سبحانه إلى الأشياء فيحييها بمشيّته ، ولذلك سمّاه وحيا وعدّ إلقاءه وإنزاله على نبيه إيحاء في قوله : (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) [الشورى : ٥٢] ، فإن الوحي هو الكلام الخفيّ والتفهيم بطريق الإشارة والإيماء ، فيكون إلقاء كلمته تعالى ـ كلمة الحياة ـ إلى قلب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وحيا للروح إليه» (١).
ثم يناقش التفسير الأول بقوله : «وأما قوله : إن الروح بمعنى الوحي أو القرآن وكذا قول بعضهم إنه بمعنى النبوّة ، فلا يخلو من وجه بحسب النتيجة ، بمعنى أن نتيجة نزول الملائكة بالروح من أمره هو الوحي أو النبوّة ، وأما في نفسه وهو أن يسمّي الوحي أو النبوّة روحا ، باشتراك لفظيّ أو مجازا ، من حيث إنه يحيي القلوب ويعمرها ، كما أن الروح به حياة الأبدان وعمارتها ، فهو فاسد لما بيناه مرارا أن الطريق إلى تشخيص مصاديق الكلمات في كلامه تعالى ، هو الرجوع إلى سائر ما يصلح من كلامه لتفسيره دون الرجوع إلى العرف وما يراه
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ١٢ ، ص : ٢٠٥.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
