الدنيا (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) في ما تلقاه منهم من كفر وتمرّد وابتعاد عن الله ، لأنهم لا يستحقون ذلك ، فقد أقمت عليهم ، بما قدمته إليهم من دلائل وبراهين ، الحجة من الله ، ولكنهم تمرّدوا واستكبروا وساروا بعيدا في خط الانحراف ، مما يجعل قضيتهم قضية من يرفض الرحمة التي قدّمت إليه ، لا قضية من يستحق الرحمة لما وقع فيه. إنها قضية الاختيار السيئ الذي لا يلتقي بالخير ، فلا بد من تركه ليمتد في طريق الشر ، ويمعن في السير فيه بعيدا إلى الوادي السحيق.
(وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) الذين أخلصوا لله إيمانهم ، وتحمّلوا الكثير في سبيل الوصول إليه ، وجاهدوا من أجل الثبات على إيمانهم ، وعملوا الكثير من أجل الدعوة إليه ، إن عليك أن تعطيهم الرحمة كل الرحمة ، والتواضع كل التواضع في روحك وكلماتك وأسلوبك في التعامل معهم ، حاول أن تجعلهم يسكنون إليك ، وينفتحون عليك ، فلا يشعرون بالحرج من الحديث معك ، عن كل ما يحسون به من آلام وهموم وآمال ، بل يجدون عندك القلب المفتوح الذي يستقبل كل أمورهم ، ليواجهها بالرفق والانفتاح والحنان ، لتحلّ لهم ما أشكل عليهم من قضايا وتقضي لهم ما يريدونه من حاجات ، لأنهم جناحك الذي به تطير ، وقاعدتك التي تنطلق منها نحو المستقبل الذي تتحرك فيه أجيال المؤمنين ، لتحمل عبء الرسالة في الدعوة والحركة والجهاد.
وتلك هي دعوة الله لكل العاملين الذين يتسلمون مركز القيادة في الدعوة ، أو الحكم ، أو الواقع السياسي أو الاجتماعي ، مما يحقق لهم موقعا متقدما في السلّم الاجتماعي يدفعهم إلى الشعور بالعلوّ ، أو بالبعد عن المؤمنين المستضعفين الذين يحتلون في حركة حياتهم أسفل درجات السلّم الاجتماعي لافتقارهم إلى مقومات الضغط على الواقع من مال وجاه أو غير ذلك ، فليس لهم إلّا إيمانهم الصادق ، وتصميمهم على السير في هداه ، بكل ما لديهم من عزم وصدق وإرادة.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
