إنهم الآن يستيقظون على ما وصلوا إليه من واقع يحاولون التخلص من بعض قسوته على الأقل ، متوجهين إلى من كانوا يتبعونهم في كل شيء ، طالبين منهم تحمل تبعاتهم في الآخرة ، مقابل ما تحمّلوه من تبعاتهم في الدنيا ، تماما كما كان الحال في الدنيا حيث كان الرئيس يقدم لأتباعه الحماية من المتاعب والمشاكل ، مقابل ما يقدمونه من خدمات تصل إلى درجة المخاطرة بالحياة.
وينطلق سؤالهم ، بلهجة متوسّلة يائسة ، تحمل كثيرا من خيبة الأمل ، وعدم الثقة بالنتيجة ، كما توحي كلمة «من شيء» في سؤالهم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) ، أي شيء ، ولو بالمقدار الذي يخفف عنا قسوته وشدّته؟
وتجسد الصورة القرآنية تهرب أولئك المستكبرين ، باعتبار الموقف يائسا من كلا الطرفين ، فهم لا يملكون لأنفسهم شيئا ، فكيف يملكون لأتباعهم الحماية ، حيث لا متسع للحساب ، ولا مجال للهروب ، بل أمامهم الاستسلام اليائس للمصير الذي تعبر عنه هذه الكلمة القرآنية أبلغ تعبير : (قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ) ، لأن المشكلة أننا ابتعدنا عن الله وتمرّدنا عليه ، ولم نهتد بهداه ، بعد أن أقام علينا الحجة وتركنا لأنفسنا ، دون أن يتدخل بقوّته لفرض الهداية علينا ، فضللنا وأضللناكم لأنكم جعلتم حياتكم تبعا لحياتنا. لذا نقف هنا ـ جميعا ـ وجها لوجه ـ أمام نتائج المسؤولية الصعبة ، دون أن يكون هناك فرق بيننا في الموقف ، لأننا مشتركون في تجميد إرادة الحق في وعينا ، في ما يحكم به العقل والوجدان ، والذي جاءت به الكتب وبلغه الرسل ، واتبعنا شهواتنا ومطامعنا ، فلا بد لنا من أن نواجه الحقيقة ، بكل صعوبتها وقسوتها (سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) ، ومهرب من المصير الأسود الذي لا نملك إلا أن نتقبّله ونخضع له ، لأننا لا نملك له تغييرا ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
