شيء. وقالوا : لم يكن الحوادث قبل حدوثها أشياء ولا أعيانا ولا جواهر ولا عوارض وبعد أن أحدثها صانعها يصح منه نقلها من صورة إلى صورة وإخراج جنس مخصوص من بين جنسين مختلفين في الصورة كإخراجه البغل من بين الفرس والحمار والسّمع والعسبان بين الذيب والضّبع ونحو ذلك. وفي هذه الجملة خلاف من وجوه :
أحدها : مع قوم من أصحاب الهيولى أثبتوا الصانع ولكنهم زعموا أن الصانع صنع هذا العالم من هيولى قديمة [وقالوا لم نر صانعا صنع شيئا لا من أصل فإن الصانع يصنع الخاتم من الفضة أو الذهب أو أصل آخر والنجار يصنع الباب من خشب ونحو ذلك].
والخلاف الثاني : مع قوم زعموا أن الصانع ركّب المركبات من الطبائع الأربع وعناصرها التي هي الأرض والماء والنار والهواء وقالوا بقدم هذه الأربع.
والخلاف الثالث : مع المعتزلة الذين قالوا إنّ الحوادث كانت قبل حدوثها أشياء وأعيانا وزعموا أن السواد كان في حال عدمه سوادا وأثبتوا للمعدوم في حال عدمه كلّ اسم يستحق الموجود لنفسه أو لجنسه. ومنهم من أثبت الجسم في حال عدمه جسما. وقد دللنا قبل هذا على حدوث الأرض والماء والنار والهواء ووجب من ذلك أن صانع هذه الأربع غيرها وأبطلنا قول أصحاب الهيولي أيضا من قبل. فأما قول المعتزلة بأن المعدوم شيء ، وقول من قال بأن السواد في حال عدمه سواد والجوهر في حال عدمه جوهر ، فيوجب عليهم القول بقدم الجواهر والأعراض لأنهم قد أثبتوا لهما في الأزل كل صفة نفسية والوجود ليس بمعنى زائد على النفس لأن المحدث لا يكون محدثا لمعنى غير نفسه فإذا لم يزل الجواهر والأعراض عندهم في الأزل جواهر وأعراضا وجب أن يكون في الأزل موجودة لأن وجودها ليس بأكثر من ذواتها ، وقد قال المسلمون : خلق الله عزوجل الشيء لا من شيء. وقالت المعتزلة : إنّه خلق الشيء من شيء فأضمروا قدم الأشياء لقولهم بما يؤدي إليه [كأنهم أضمروا قدم العالم ولم يجسروا على إظهاره فقالوا بما يؤدي إليه].
