وقوف الأرض جذب الفلك لها من كل جانب إلى نفسه. وقال آخرون علة وقوفها دفع الفلك لها عن نفسه من كل جانب.
وزعم ابن الراوندي أن علة وقوفها أن تحت الأرض جسما صعادا كالريح الصعادة وهي منحدرة فاعتدل الهاوي والصاعد في الجرم والقوة فلذلك وقفت فتوافقا. وزعم آخرون أن الأرض مركبة من جسمين أحدهما منحدر والآخر مصعد فاعتدلا فيها فلذلك وقفت. ودليل بطلان قول من زعم أن الأرض تهوي أبدا وصول ما نلقيه من اليد إلى الأرض والخفيف لا يلحق ما هو أثقل منه في الانحدار ما لم يكن للأثقل منها وقوف. ولو كانت للأرض حركة دورية لأحسسنا بذلك كما نحسّ بحركتها عند الزلزلة ثم إنا لو جعلنا قطعة من الأرض على طبق لم تدر عليه ولو رمينا بها في الهواء لنزلت على الاستواء ولم تدر على نفسها فإذا كانت كل قطعة منها لا تدور فكيف دارت جملتها. وقول من جعل علة وقوفها نفي النهاية عنها من غير جهة الصفحة العليا منها باطل لأن تناهيها من جهة دليل على تناهيها من سائر الجهات [ومن سار في قبلة الشرق كان ما خلّف وراءه من جهة المغرب في كل يوم أكثر مما خلفه قبل ذلك وما زاد على غيره فالمزيد عليه متناه في نفسه] ولو كانت علة وقوفها طلبها للمركز الذي في وسطها لوجب أن لو حفرنا بئرا على سمت ذلك المركز نافذة إلى الصفحة السفلى منها أن يقف الماء عند ذلك المركز لا على قرار منها وهذا محال عندهم. ومن زعم أن علة وقوفها سرعة دوران الفلك حولها (١) ، سلم له دوران الفلك حول الأرض والسموات عند طباق فوق الأرض ساكنة وإنما تتحرك الكواكب فيها ولو سلمنا لهم دوران الفلك حول الأرض والهواء لم يجب بذلك وقوف الأرض لأن هذه العلة لو صحت لما صح دوران الطيور في الهواء فوق الأرض لأن الفلك يدور حولها كما يدور حول الأرض. ولو كان علة وقوفها جذب الفلك لها إلى نفسه من كل جانب لوجب إذا رمينا بقطعة من الأرض في الهواء أن
__________________
(١) [فمن سلم لهم دوران الفلك حول الأرض أو ما علموا من قولنا أن الفلك فوق الأرض كالطبق ، وانه ليس تحت الأرض سماء وأن الفلك ساكن وأن الكواكب متحركة فيه].
