المسألة الثانية من هذا الأصل
في بيان جنس إبليس اللعين
قال أكثر أصحابنا مع البهشمية والأصمّية من المعتزلة إنّ إبليس كان من الجن ، لقوله تعالى : (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (١) ولأنه أخبر أنه خلقه من النار وقد روي في الخبر أن الملائكة مخلوقون من النور دون النار. وزعم الجاحظ أنه كان من الملائكة لأن الله تعالى قد استثناه منهم ومنع أن يكون الاستثناء من غير جنس المستثنى منه وقلنا إنما استثناه منهم لأنه كان حينئذ معهم فخالف الأمر وعصى واستكبر وأبى وكفر. وقد أجاز النحويون استثناء الشيء من غير جنسه وتكلموا في إعرابه وسماه البصريون منهم استثناء منقطعا واختلف فيه الفقهاء : فأجازه الشافعي في جميع وجوهه حتى قال : لو قال في إقراره له عليّ ألف إلا درهما أو إلا دينارا وفسّر الألف بما ليس من جنس استثناه قبل ذلك منه بعد أن يكون قيمة المستثنى منه أكثر من الاستثناء. وقال أبو حنيفة : إن كان الاستثناء مكيلا أو موزونا وجب أن يكون من جنس المستثنى منه وإن كان مذروعا أو معدودا جاز أن يكون من غير جنسه. وليس للجاحظ علم بما أجمع عليه النحويون والفقهاء فلا اعتبار بخلافه لهم.
المسألة الثالثة من هذا الأصل
في تفضيل بعض الأنبياء على بعض
كان ضرار بن عمرو يقول : لا يجوز تفضيل بعضهم على بعض بعينه واسمه. وقال أصحابنا مع أكثر الأمة بتفضيل بعضهم على بعض وقالوا إنّ نبينا صلىاللهعليهوسلم أفضلهم وأولو العزم من الرسل أفضل من غيرهم وهم خمسة : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهمالسلام. ومن بعث منهم إلى الكافة أفضل ممن بعث منهم إلى قوم مخصوصين. وقد قال نبينا صلىاللهعليهوسلم : «أنا سيد ولد آدم» (٢). وقال
__________________
(١) سورة الكهف آية ٥٠.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك عن جابر ٢ : ٦٠٥ ورواه الترمذي عن أبي سعيد برقم ٣١٤٨ و ٣٦١٥ وعن أبي هريرة برقم ٢٤٣٤.
