المسألة الأولى من هذا الأصل
في تفضيل الأنبياء على الملائكة
اختلفوا في هذه المسألة : فقال جمهور أصحابنا بتفضيل الأنبياء على الملائكة وأجاز بعضهم أن يكون في المؤمنين من هو أفضل من الملائكة ولم يشر بذلك إلى واحد بعينه. ولم يقل أحد من أهل الحديث بتفضيل الملائكة على الأنبياء غير الحسين بن الفضل البجلي. واختلفت المعتزلة في هذا : فزعم أكثرهم أن الملائكة أفضل من الأنبياء حتى فضّلوا زبانية النار على كل نبي. وزعم آخرون منهم أن من لا معصية له من الملائكة أفضل من الأنبياء ، فأما من عصى منهم أدنى معصية كهاروت وماروت فإن الأنبياء أفضل منهم وهذا قول الأصم منهم. وزعمت الإمامية أن الأئمة أفضل من الملائكة. وزعمت الغلاة منهم في أنفسهم أنهم أفضل من الملائكة وهذا قول البزيغية من الخطابية. واستدل من قال بتفضيل الملائكة على الأنبياء عليهمالسلام بقول الله تعالى : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) (١). وهذا لا يدل على ما قصدوه لأنه قد يقال مثل هذا فى المتساويين. على أنه جمع الملائكة ونحن لا نقول في أحد من الأنبياء إنه أفضل من الملائكة بأجمعها وإن قلنا فيه أفضل من كل واحد منهم كما لا نقول في النبي عليهالسلام إنه أعلم من جميع الملائكة وإن كان جائزا أن يكون أعلم من كل واحد منهم. واستدلوا بقوله : (ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ) (٢). وهذا يحتمل أن يكون معناه أنه منعكما منها لأنه يريد أن يجعلكما ملكين وعلما أنهما أفضل من الملائكة فرغبا عن سقوط درجتيهما فلذلك أقدما على الأكل من الشجرة. وقد روى أصحابنا عن ابن عباس وأعلام الصحابة تفضيل الأنبياء على الملائكة فلا اعتبار بخلاف المعتزلة بعدهم.
__________________
(١) سورة النساء آية ٢٧١.
(٢) سورة الأعراف آية ٢٠.
