زعمت القدرية أن النائم والساهي يخلقان الكلام والأصوات والحركات والآلام التي لا علم لهم بها. وهذا خلاف حكم الآية التي تلوناها. ويدل على بطلان قولهم من القياس إنّ الخالق للشيء يجب أن يكون قادرا على إعادته كالخالق للأجسام والألوان قادر على إعادتها. وإذ كان الواحد منا لا يقدر على إعادة كسبه بعد عدم الكسب صح أن ابتداء وجود كسبه كان بقدرة غيره وهو الله القادر على إعادته. فإن قالوا لو كان الكسب فعلا لله وللعبد لاشتركا فيه. قيل ليس حدوثه منهما ، حتى يكونا شريكين في إحداثه وإنما الله عزوجل خالق الكسب والعبد مكتسب له كما أن الله خالق حركة العبد والعبد متحرك ولا يجب الشركة بمثل هذا. وإنما يتصور الشركة بين صانعين يكون صنع واحد منهما غير صنع صاحبه ، في الجنس الواحد ، كالخياطين يشتركان في خياطة قميص واحد ، لأن خياطة أحدهما غير خياطة الآخر. ومن زعم من القدرية أن صنعه في يديه غير صنع الله فيه فهو الذي ادعى المشاركة المذمومة وكفاهم به خزيا.
المسألة الرابعة من هذا الأصل
في إبطال القول بالتولد
واختلفوا في التولد : فزعم أكثر القدرية أن الإنسان قد يفعل في نفسه فعلا يتولد منه فعل في غيره ويكون هو الفاعل لما تولّد ، كما أنه هو الفاعل لسببه في نفسه [ولذلك زعموا أن ذهاب السهم وإصابته الهدف وهتكه له وقتله لما وراء الهدف ، فكل ذلك من فعل الله لأن حركات السهم متولد من تحريكه يده بالسهم والقوس. وكذلك قولهم في انكسار الزجاج بالحجر إذا ألقاه عليه إنسان. وقالوا في الألم الحادث عقيب الضرب إنّه فعل الضارب متولد عن ضربه] وكذلك الضارب متولد عن ضربه. وزعموا أيضا أن فاعل السبب لو مات عقيب السبب ثم تولد من ذلك السبب فعل بعد مائة سنة لصار ذلك الميت فاعلا له بعد موته وافتراق أجزائه بمائة سنة. وأجاز المعروف منهم ببشر بن المعتمر أن يكون السمع والرؤية وسائر الإدراكات وفنون الألوان والطعوم والروائح متولدة عن فعل الانسان [فالمتولد عنه
