شيء من أعمال الحيوانات صنع. وذكر أكثرهم أن الله عزوجل غير قادر على مقدور غيره وإن كان هو الذي أقدر القادرين على مقدوراتهم. وزعم المعروف منهم بمعمران الاعراض كلها من أفعال الأجسام إما بالاختيار وإما بالطباع وإن الله تعالى ما خلق لونا ولا طعما ولا رائحة ولا حركة ولا سكونا ولا حياة ولا موتا ولا قدرة ولا عجزا ولا علما ولا صحة ولا سقما ولا سمعا ولا بصرا ولا شيئا من الأعراض. وزعم المعروف منهم ببشر بن المعتمر ، أنّ الألوان والطعوم والروائح والرؤية والسمع ، منها ما هو من فعل الله عزوجل ومنها ما هو من فعل العبد ومنها ما هو من اجتماع العباد. والدليل على جميع القدرية من القرآن قوله عزوجل : (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) (١) ، فأثبت في هذه الآية للعباد أعمالا خلاف قول الجهمية : إن العبد ليس له عمل وأخبر عن نفسه بأنه خالق أعمال العباد خلاف قول القدرية : إن العباد خالقون لأعمالهم. فدلت الآية على بطلان قول الجهمية والقدرية. فإن قيل أراد بالأعمال الأصنام المعمولة. قيل إن الأصنام لم تكن من عمل العباد وإنما نحتها عملهم والله خالق عملها الذي هو نحتهم لها. ويدل عليه قوله تعالى : (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ، قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (٢). فأخبر أنه لو كان غير الله خالقا شيئا مثل خلق الله لكان شريكا له. وزعمت القدرية أنهم يخلقون من الحركات والاعتمادات والعلوم والإرادات والآلام مثل ما خلق الله عزوجل منها. وفي هذه الدعوى دعوى المشاركة لله في صنع أكثر أجناس الأعراض. ثم قوله قل الله خالق كلّ شيء دليل على انه خالق كل مخلوق سواء كان من أكساب العباد أو من غير أكسابهم. ويدل عليه قوله : (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) (٣) وفي هذا دليل على أنه خالق سرائر الصدور وعالم بها. وفيه أيضا دليل على أن الخالق للشيء يجب أن يكون عالما به وبتفصيله وقد علمنا أن العباد لا يعلمون تفصيل عدد حركاتهم الكسبية في عضو واحد في زمان متناه. وقد
__________________
(١) سورة الصافات آية ٩٦.
(٢) سورة الرعد آية ١٦.
(٣) سورة الملك آية ١٣ و ١٤.
