الإنسان إلى أن يدرس طبيعة المجتمعات الحيوانيّة ، ليراقب طريقتها في النمو ، وفي العلاقات ، وفي ممارسة غرائزها وحاجاتها وفي أسلوبها المتنوع في الدفاع عن نفسها في مواجهة الأوضاع الطبيعية ، أو الحالات الطارئة التي تشهد وجودها وذلك ليخرج الإنسان من خلال هذه الدراسة الشاملة بفهم كيفيّة التعامل مع الحيوان ، وطريقة الاستفادة من خصائصه وأساليبه في العيش وبناء العلاقات ، فإن الله يريد للإنسان أن يفهم كل ما حوله ليتعلم منه دروس الحياة ، ولينطلق في هذه الرحلة الكونيّة الحيّة ، ليعرف منها عظمة الخالق من خلال عظمة المخلوق ، لتلتقي ، لدى الإنسان المعرفة الكونيّة بالمعرفة الإلهيّة .. وهذا هو الأسلوب القرآني المميّز الذي يوحي للإنسان باللّاهوت من خلال حركة الحياة من حوله ، لا من خلال الطريقة التجريديّة في التفكير ، فلا تنفصل العقيدة عن الحياة ، بل تتعمَّق بها ، وتنمو في حيويّتها وتطوّرها.
وقد يتساءل متسائل عن طبيعة هذه المماثلة بيننا وبين الحيوانات التي تدبّ في الأرض أو تطير في الهواء ، فهل لها تفكير وعقل وإرادة ، كما لنا ذلك كله؟ وهل نستطيع اكتشاف ذلك من خلال التنظيم الدقيق الذي يحكم أفرادها ومجتمعاتها وينظم علاقاتها ببعضها البعض ، أم أنَّ ذلك يتحرك في حياتها بطريقة غريزيّة تلقائيّة لا أثر فيها للاختيار المتنوّع والإرادة المعقّدة؟ وقد نتصوّر المماثلة في هذا التكوين الاجتماعي الذي يجعل لكل فرد أو جماعة دورا محدّدا في حركة الأفراد ، مما يوحي بالدقّة في الخلق والتنظيم الإلهي للكون ، وربما كان هذا الاحتمال أقرب إلى مدلول كلمة «أمم» التي تمثل المضمون الاجتماعي في معناها الدقيق.
وفي هذا الجوّ ، قد ينبغي للعاملين في حقل التربية الإسلامي ، أن يجعلوا من علم الحيوان مادّة ثقافيّة تربويّة ، تربط الإنسان بالله ، من خلال انفتاحه على الكائنات الحيّة التي تعيش معه وتتحرك من حوله ، وتوحي له
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
