(وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) فليكن ذلك هو الهدى الذي تستهدي به في خطواتك الجديدة المتحركة أبدا نحو التغيير في كل شيء ، فإن الله قد أراد لكل رسول أن لا يبدأ من حيث يبدأ الآخرون ، بل أن يواصل المسيرة من حيث ينتهي الآخرون في مسيرتهم ، مما يجعل من الساحة ساحة تجارب تغييرية حقيقية .. وماذا بعد ذلك؟
إن الواقع لا يسمح إلا بالصبر والتقدم من مواقع الصبر ، فذلك هو المنطلق الوحيد للانطلاق ، لأن ذلك هو طبيعة الأسلوب الواقعي في الوصول إلى النتائج الحاسمة ، فإذا لم يقتنع العاملون ، أو لم يصبر الرسل والدعاة ، فلينسحبوا من الساحة ، أو ليقوموا بحركات واستعراضات تشنجيّة ، أو ليدخلوا في تجارب غير معقولة ، ليحققوا للمتمردين الجاحدين طلباتهم التعجيزيّة.
(وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ) عنك ، فلم تقدّر الظروف الموضوعية المحيطة بك من خلال الأشخاص والأوضاع ، ولم تحاول أن تصبر على ذلك في انتظار نضوج التجربة ، وانطلاقة المستقبل في خطّ الدعوة ، وعشت الشعور بالسقوط الداخلي تحت تأثير حالة المرارة واليأس ، أمام ما يقترحون من طلبات ، ويطالبون به من معجزات ، مما لم يرد الله أن يخضع مسيرة الدعوة له ، أو يشغل حركة الأنبياء به ، (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) تلتقطها من أعماق الأرض ، أو تتلقفها من آفاق السماء ، بعد أن فقدت القدرة على الإتيان بها من سطح الأرض .. فافعل ، ولكنك لن تجد شيئا هناك لو استطعت بلوغ ذلك لأن الله لم يشأ للناس أن يؤمنوا به ، إلا من حيث أراد وقدّر ، في ما أوحى به إلى الأنبياء ، وفي ما أنزله من معجزات ، بعيدا عن اقتراحات المقترحين وعن طلبات المعجّزين.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
