وأخلاقيّا وسياسيّا واقتصاديا ، مما يفرض مواجهة التيار لهم بقوّة ، ليضعفهم وليصرعهم ، فلا بدَّ للذين يريدون أن يصارعوا التيّار ويصرعوه أن يملكوا الأعصاب القويّة الرساليّة التي لا تضعف ولا تثور ، بل تمارس القوّة بهدوء وصمود ، لتخفّف من اندفاع التيار في البداية ، ثم تقهر اندفاعه في النهاية ، ليبدأ ـ بعد ذلك ـ خلق التيّار الجديد ، وهكذا يكون الصبر الذي يمثّل القيمة الأخلاقية المثلى في حركة التاريخ ، شرطا حاسما في عملية الثبات والانتصار الكبير .. وهذا ما عبّرت عنه الآية التي تحمل تجربة الماضي إلى الحاضر ليحملها الحاضر إلى المستقبل.
* * *
صبر الرسل على التكذيب والأذى
(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا) بكل أنواع الأذى ، فلم يتأففوا ولم يحزنوا ، بل صمدوا في وجه القوى المضادّة ، لأنهم وعوا الحقيقة العملية التي تقول : إن قضية صنع القوّة تبدأ بثبات الإنسان أمام تحديات القوّة ، لأنه بذلك يحصل على قوّة سلبيّة سوف تتحول إلى قوّة إيجابيّة فاعلة في الساحة الرسالية الكبرى ، لأنه ـ بذلك ـ يفسح المجال للعوامل التي تضعف القوى الأخرى أن تعمل عملها ، كما يعطي الفرصة للعوامل الجديدة التي تقوّي الأفكار القادمة لكي تخطو خطواتها الأولى في حركة الزمن ، لأن انطلاقة التطور في عملية الهدم والبناء قد تحتاج إلى وقت طويل يحمل الكثير من الآلام والمتاعب والدموع في طريق الهدف الواعد الكبير (حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا) لأن الله لا يحقق لنصر حركته إلا من خلال سننه الحتمية في الحياة ، التي تواجه عاديات الزمن ، وتلك هي كلمات الله التكوينيّة التي تتحول إلى سنن وقوانين في وعي الطبيعة (وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ).
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
