الحميم الآمن المطمئن ، فقد (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) لأن الخلق لم ينطلق من شعور ، بل من موقع الحكمة التي تحرك الوجود في اتجاه غاية عظيمة تفيض بالرحمة على الأشياء لتصل بها إلى غايتها ، ولذلك كانت الرحمة في حركة الوجود ، وفي حيويّة الحياة ، وما فيها من نعم وألطاف ، وكانت أيضا في تنظيم حياة الإنسان على أساس المسؤولية ليحميه من نفسه ويحمي غيره منه .. وبذلك كان البعث للحساب لونا من ألوان الرحمة التي لا تعني العاطفة ، بل تعني مصلحة الإنسان في وجوده وذلك لجزاء المحسن على إحسانه ، والمسيء على إساءته ، ولذلك أتبع الرحمة التي كتبها على نفسه بقوله : (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) فذلك يحقق للوجود غايته في مواجهة نتائج العمل في الدنيا ، وهو الذي يحقق للإيمان قوّته. عند ما يتحول إلى حركة مستقيمة تربط النتائج بمقدماتها ، وتشير إلى النهاية من خلال انطلاقة البداية.
وهناك يقف الناس جميعا يوم القيامة بين يدي الله ، ليواجهوا حساب المسؤولية بدقة ، وليأملوا الحصول على رحمته الواسعة ، إلا فريقا من هؤلاء الذي لا يتعلّقون برحمته بشيء ، وهم الذين لا يؤمنون به ولا يعترفون بتوحيده ، فهؤلاء (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) وأيّ خسارة أعظم من خسارة الإنسان نفسه ، وذلك بخسرانه الأساس الوحيد لخلاصه وهو رحمة ربّه المرتبطة بخط الإيمان في الحياة؟! وهكذا يربط القرآن بين عدم الإيمان بالله وبين خسارة الإنسان نفسه .. وقد يفهم الإنسان منها أن القضية لا تعيش في النطاق الأخروي فقط ، بل تمتد إلى النطاق الدنيويّ لما يفرضه ذلك من ظلمة في التصوّر والرؤية والعمل ، في مقابل ما يحصل عليه المؤمن من إشراق الروح في ذلك كله.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
