الَّذِي أَحْسَنَ) لا نقصان فيه ، لما يحتاج إليه الناس من شؤونهم ، وربما كان هذا هو أوّل كتاب مفصّل ينزله الله على الناس ، على الوجه الأحسن ، والطريقة الأفضل ، والأسلوب الأمثل. وهذا ما نفهمه من هذه الفقرة ، لأن جوّ الآية يوحي بأنها واردة في مقام بيان كمال الكتاب وقيمته وموقعه من حركة الرسالات التي كان الله ـ سبحانه ـ ينزلها بالطريقة التي تتناسب مع كل مرحلة من مراحل تطوّر الإسلام الفكري ، وبهذا كانت تتفاضل في أسلوبها وأفكارها وفاعليتها في بناء شخصية الإنسان.
ونلاحظ أن هذا التعبير (عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) منسجم مع التعابير القرآنية المماثلة : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [فصلت : ٣٤](وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت : ٤٦] حيث أريد منها الطريقة الأحسن ، أو الكلمة الأحسن. وربما كان هذا أولى ممّا فهمه المفسّرون ، من أن المراد بها الإنسان الذي أحسن ، أي صدر منه الإحسان ، وذلك من أجل أن تتمّ به نقيصته ، فإن كلمة (عَلَى) لا تتناسب مع أسلوب الآية ، لأنه لم يسبقها فعل يتعدى بعلى ، كما أنه لا معنى لأن يكون الكتاب مختصا بالذي هو أحسن ، فإنه لجميع الناس ، لينمّي الذي أحسن ، وليهدي الذي أساء.
(وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) ممّا يحتاجه الناس في شؤون حياتهم العامة والخاصة ، المادية والروحيّة بحيث كان الكتاب يمثّل الفكر والتشريع الذي لا يشعر الإنسان معه ، أنه بحاجة إلى غيره ، ممّا استحدثه الناس من أفكار وفلسفات وقيم ، لتكون أفكاره وفلسفته وقيمه ، هي التي تبني للإنسان شخصيته ، وتحلُّ له مشاكله ، وترتفع به إلى المستوى الأفضل من حركة التكامل في الحياة ، من دون فرق بين الجوانب الروحيّة ، والجوانب المادية. وبهذا يمكن الردّ على الفكرة التي لا يزال بعض الباحثين يكررونها وهي غلبة الجانب الماديّ على الجانب الروحي ، في التوراة ، وغلبة الجانب الروحيّ على الجانب الماديّ في الإنجيل لتنتهي الفكرة إلى النتيجة الحاسمة ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
