وهي تحقيق التوازن في القرآن بين الجانبين. فإننا نلاحظ على ذلك أولا أنه يختلف مع فكرة تمامية الكتاب على الطريقة الأحسن ، وكونه تفصيلا لكل شيء ، وثانيا أنه يتنافى مع أحاديث القرآن عن التوراة ، في الجوانب الروحية التي يحتج بها على أهل الكتاب في مسيرتهم المنحرفة عن الخط الروحي.
وثالثا ، أنه لا ينسجم مع ما يريده الله لرسالاته من أن تكون هي وحدها الموجّهة للإنسان في خط السير في أيّ جانب من جوانب حركة الشخصية في الحياة ، فلا يمكن أن يشرّع للجانب المادي ، ويترك الجانب الروحيّ ، وهو المهمّ ، خاضعا لأفكار وفلسفات أخرى.
ولعلّ من مشاكل الفكر الروحي الإسلامي ، أن بعض المسلمين حاولوا تفسير كثير من المفاهيم الروحية الإسلامية ، بالطريقة الفلسفية العرفانيّة المستمدة من أصول فلسفية غير إسلامية ، مما جعل طريقة التفكير والسلوك تبتعد عن بساطة المفاهيم الإسلامية البسيطة القريبة من الوجدان ، البعيدة عن التعقيد ، مع أن النصوص الدينيّة قد أفاضت الحديث عن كل الآفاق الروحية للإنسان. فكيف يكون الحال لو ترك الأمر للفراغ الفكري الذي يقود الإنسان إلى البحث عما يملأه بطريقته الخاصة؟
(وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) أمّا أن يكون هدى ، فلأنه يفتح قلوب الناس على الله ، وينفتح بهم من خلال ذلك على الحياة ، فينير لهم دروبها ، ويعيشون معها النور المشرق من آفاق الله ، فلا يضيعون في متاهات الدروب ، وأمّا أنه رحمة ، فلأن الرحمة في صفات الله ، لا تمثّل حالة عاطفيّة انفعاليّة في ما يشعر به البشر من انفعالات وعواطف ، بل هي الرعاية الشاملة لحياتهم ، بما ينمّي لهم تفكيرهم وروحيتهم ، ويسهّل لهم أمر معاشهم ، ويساعدهم في حل مشاكلهم ، ويقودهم إلى الغاية المثلى التي ترفع مستواهم وتنقذ مصيرهم في الدنيا والآخرة.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
