المتعاملين حق عند صاحبه في ما يفرضه قانون التبادل من انتقال كل عوض إلى ملك الطرف الآخر في مقابل ما انتقل عنه ، وبذلك كان من واجب كل منهما أن يؤدي الحق إلى صاحبه كاملا غير منقوص ، لأن نقصانه عن مستواه يعتبر سرقة وخيانة ، وهذا ما لا يفترضه الإيمان بالمؤمنين الذين ركز شخصيتهم على أساس الأمانة والإخلاص ، ولهذا حرّم التطفيف الذي يتضمن الأخذ بالزائد عن الحق ، والإعطاء بالناقص عنه ، واعتبره إفسادا في الأرض ، وخيانة للأمة ، وأمر بالوفاء بالكيل والوزن بالعدل.
(لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) أي : قدرتها ، فإن الله لا يكلّف عباده ما لا يطيقون ، فكل ما أوجبه عليهم أو حرّمه فهو في مستوى الطاقة ، أو أدنى منها ، فإذا بلغ ما هو أعلى من ذلك ارتفع التكليف.
* * *
العدل في القول
(وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) والعدل هو هدف الرسالات في الأرض في حركتها الإيجابيّة كما أن تدمير الظلم هو هدفها الكبير ، في حركتها السلبيّة ، لأنه الخطوة الطبيعيّة لتحقيق الهدف الأوّل ، والقول شهادة كان أو حكما ، أو تقييما ، أو تأييدا أو رفضا ، ونحو ذلك ، هو مظهر العدل ، عند ما يبتعد عن العاطفة والانفعال ، فيشهد الإنسان بالحق على أقرب الناس إليه أو يحكم أو يرفض ، بعيدا عن أيّ تأثر بالقرابة أو بالصداقة ، أما إذا انطلق من العاطفة فإنه يتحول إلى ظلم كبير ، في ما يشلّ به قدرة الحياة على تأكيد الحقيقة ، في حركة الكلمة المسؤولة ، فتضيع حقوق الناس ، في متاهات الانفعالات الذاتية ، المتقلّبة والمتنوّعة الاتجاهات ، تبعا للحالة الذاتية لدى الإنسان سلبا أو إيجابا ، وقد أمر الله بالعدل في القول حتى ضد القريب ، ونهى عن الظلم والانحراف عن الخط ، حتى بالنسبة إلى البعيد ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
