إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالما؟ فإن قال : نعم ، قال له : أفلا عملت؟ بما علمت ، وإن قال : كنت جاهلا ، قال : أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصم فتلك الحجة البالغة (١). وجاء في رواية أخرى عنه : (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) وهي التي تبلغ الجاهل فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه» (٢) ، لأن الله أكبر وأعدل من أن يعذب أحدا إلا بحجة. وهكذا نرى أن الجهل الذي يلتفت صاحبه إلى الاحتمالات المتنوعة في اختلاف الناس وفي تنوع أفكارهم المطروحة في الساحة لا يصلح عذرا للجاهل الذي يختزن في فطرته ذهنية البحث عن الحقيقة من خلال أنّ المعرفة لا تكون إلا بالتعلم في كل الأشياء المتصلة بالحياة والمتعلقة بالمسؤولية.
(فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) بإجباركم على الإيمان والطاعة .. ولكن الله شاء لكم الحرية .. وأصدر إليكم تعليماته في طريقة ممارستكم لهذه الحريّة .. فإذا مارستم حريتكم في الاتجاه المضاد ، فإنكم تتحملون كل المسؤولية في ذلك.
(قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا) قل لهم ذلك .. فإنهم لا يملكون شاهدا يشهد لهم بما يريدون من شرعية الشرك والتشريع المدّعى ، لأن القضية لا تحمل أيّة لمحة من لمحات الحقيقة من قريب أو من بعيد ، فإذا استطاع هؤلاء الناس أن يخدعوا آخرين ليشهدوا لهم ، بما يثيرونه في أفكارهم من أساليب الخداع ، أو وجدوا من يقدم شهادته مجانا ، بسبب عاطفة أو مجاملة ، أو من يبيعها لقاء ثمن .. (فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) لأنك تعرف الحقيقة جيّدا ، فكيف تشهد على ما تتيقن بكذبه (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) لأنهم ينطلقون من
__________________
(١) البحار ، م : ١ ، ج : ٢ ، ص : ٣٥٤ ، باب : ٩ ، رواية : ١٠.
(٢) م. ن ، م : ١٦ ، ج : ٤٩ ، ص : ٣٨١ ، باب : ٢٠ ، رواية : ١.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
