في بعض المنافع العامة ، ومثل الماء الذي يصبّه الإنسان في الأرض بعد الانتهاء من الشراب ، فإن من الممكن أن يحتفظ به الإنسان ، فلا يصب في كأسه أكثر مما يحتاج إليه ، أو يحتفظ بما في الكأس لشربة جديدة. وهكذا يمكننا أن نعتبر الاقتصاد وترك الإسراف قيمة روحيّة ، كما هي قيمة اقتصادية ، فإذا كان الله لا يحب المسرفين ، فإنه يحب المقتصدين. وبذلك يمكننا ملاحظة هذا التزاوج بين القيمة الروحية والقيمة المادية للأشياء في الإسلام.
* * *
تسخير الأنعام للناس
(وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً) حيث سخّرها الله لنا لنركب على ظهورها ولتحملنا وتحمل أثقالنا إلى بلد لا نبلغه إلا بشقّ الأنفس ، كما ألهمنا الله أن نستخدم من صوفها ووبرها فراشا نجلس عليه ، ورزقنا من لحومها وشحومها وألبانها الرزق الطيب الذي أباح لنا أكله وشربه ، واستطابه لنا ، ولم يحرّم علينا شيئا منه إلا ما كان فيه ضرر على البدن. إنه يدعونا في الآية (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) من هذا أو من غيره ، وتلك هي نعمة الله على الإنسان في ما ينمّي به حياته (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) في تحريم ما أحله الله ، أو في استخدام ما رزقكم الله في معصيته ، أو في التعامل به ، بما لا يرضاه ، أو في ممارسة ألوان السرقة والغش والخيانة والغصب ونحوها في تحصيله وكسبه ، فإن ذلك كله من خطوات الشيطان وتسويلاته التي تبعد الإنسان عن جادة الحق وبالتالي عن الله ، ولا بد للإنسان من أن يواجه الشيطان مواجهة العدوّ لعدوّه ، لأنه العدوّ الواضح الذي أعلن عداوته وسخّر كل طاقاته لإضلال الإنسان وإغوائه وإبعاده عن الصراط المستقيم ، إنه يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. وهذا ما يوحي به قوله تعالى : (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
