وعلى كلّ فإن الآية توحي بأن على صاحب الزرع أن يؤدي هذا الحق للفقراء والمساكين عند حصاده ، وقد جاء في تفسير العياشي عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام في الآية قال : أعط من حضرك من المسلمين فإن لم يحضرك إلا مشرك فأعط (١).
وهذا دليل على روح السماحة والعطاء التي يريد الإسلام للإنسان المسلم أن يعيشها مع كل الناس المحرومين سواء أكانوا من المسلمين أم كانوا من المشركين ، بروحية عطاء وإحساس بآلام الفقراء والمساكين ، من أيّ دين كانوا ، وربّما كان التعبير بكلمة (حَقَّهُ) في ما يعطيه الإنسان من الثمر ، سواء أكان واجبا أم كان مستحبا ، دلالة على أن قضية العطاء في الإسلام ليست منحة ذاتية تنطلق من شعور بالفوقية كما يحس به المعطي تجاه الفقير بل هي حقّ يؤديه لصاحبه ، لأن المال لله ، فإذا أراد الله من الإنسان أن يعطيه لأحد ، مستحبا كان أو واجبا فإنه يعطيه من موقع الحق ، لا من موقع التفضّل ، ممّا يحفظ به للفقير كرامته ، وللمعطي روحيته وإيمانه ، وهذا هو المعنى الذي ينبغي للتربية الإسلامية أن تؤكد عليه في ما تستهدفه من بناء الشخصية المسلمة ، فعلى المسلم أن يحسّ دائما بأن عليه حقّا للناس في ماله ، وفي كل ما رزقه الله من طاقة ، على أساس ما لله عليه من حق في ذلك كله ، فهو عند ما يعطي ، فإنما يؤدي حق الله للآخرين.
الثالثة : (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ). قد يكون الموضوع في هذه الفقرة ، إتيان الحق للفقراء ، في ما جاءت به بعض الأحاديث في أن لا يعطي الإنسان عطاء المسرف الذي لا يبقي لنفسه ولا لعياله شيئا ، فقد روى الطبري وغيره عن ابن جريج قال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جدّ نخلا فقال : لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له
__________________
(١) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : ٧ ، ص : ٣٨١.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
