القاعدة وأرادهم أن يهتدوا بهدى الأنبياء وأن يجاهدوا في سبيل الوصول إلى ذلك ، وسهّل لهم سبيل الإيمان ، بما يتفق مع قابلياتهم وإمكاناتهم ، فليس لهم أن يطلبوا لأنفسهم ما لا يملكون عناصره ، لأن الرسالة ليست مجرد كلمات يتلقفها الإنسان ويحفظها ثم يبلّغها للآخرين ، بل هي قضية قيادة الحياة في جانبها الفكري والروحي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي .. وتغيير الإنسان على أساس هدى الله ، بالكلمة وبالأسلوب وبالقدوة الحسنة ، بحيث تعيش الرسالة في شخصية الرسول جسدا يتحرّك بكل أخلاقياتها ومعانيها ، وروحا تصفو وتهفو وتحنو وترقّ وترعى ، فيحسّ الناس معها بالرحمة التي تحيط بهم من كل جوانب حياتهم ، ويعيشون معها برد السلام وهدوء الطمأنينة.
إنّ حركة الرسالة في شخصية الرسول تعني أن يعيش هذا الإنسان في فكره وروحه وكيانه كله مع الله ، ليستطيع ـ من خلال ذلك ـ أن يحتوي كل آفاق الرسالة ومعانيها في كل مراحل حياته في الدعوة وفي الحكم وفي الجهاد ، وبذلك كان الرسول يأخذ من الرسالة وحيا تنفتح منه نفسه على الله ، ويعطيها من طاقاته الروحية والفكرية ، ومن قوّة إرادته عنصر قوّة يدفعها إلى الأمام ، ولذلك لم تكن الرسالة خاضعة لاختيار الناس وتمنياتهم ، بل هي خاضعة لإرادة الله واختياره ، فهو (أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) ، في ما يعلمه من الطاقات الروحية والفكرية والعملية والقيادية الكامنة في ذواتهم مما لا يعلمه الناس من أنفسهم ، ولا يعلمه غيرهم منهم.
فأين يذهب هؤلاء في تفكيرهم؟ إنها عقدة الكبرياء التي تكبر في صدورهم عند ما يتطلعون إلى الأنبياء فيجدونهم في الطبقة السفلى ، من الهرم الاجتماعي ، فيدفعهم ذلك إلى احتقارهم ، واحتقار دورهم ، وتكذيبهم ومحاولة تحدّيهم بأيّة طريقة ، حتّى بالأمور التي لا تثبت أمام النقد ، ولذلك فإن الله سيجزيهم عن هذه المشاعر وهذه الادعاءات وذلك الكبرياء ، صغارا وذلا واحتقارا وعذابا ، (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ) في ما يظهرهم به
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
