وإبراء الأكمه والأبرص فأرادوا آيات كهذه ، ولكنهم لم يفكروا ، لحظة واحدة ، في أن قصة المعاجز ليست موضوعا خاضعا للتمنيات والافتراضات ، وليست عمليّة منفصلة عن طبيعة التحدي التي تواجهها الرسالات ، فقد أرسل الله موسى عليهالسلام بالعصا ردّا على التحدي الكبير لفرعون الذي استعمل وسائل السحر كما أن الله أرسل عيسى عليهالسلام بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، ردا على التحدي الذي كان يشكل فيه الطب في زمنه نوعا من أنواع التحدي. وليست المعاجز سبيل هدى ، فللهدى وسائله التي تنفذ إلى العقل ، ولكنها سبيل قوّة في مواجهة القوّة المضادّة ، ولهذا فلا معنى لما طلبوه ، بل عليهم أن يفكروا في ما قدمه إليهم الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم مما يبعثهم على التفكير ، ويدعوهم إلى المناقشة والحوار.
* * *
الله أعلم حيث يجعل رسالته
وهذا الوجه الذي ذكرناه مبني على القول الذي فسّر الآية ، بأن أكابر المجرمين من العرب اقترحوا على محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يأتيهم من المعجزات مثل ما أوتي موسى عليهالسلام من فلق البحر وعيسى عليهالسلام من إحياء الموتى ، وهناك قول آخر إنهم قالوا له : لن نؤمن حتى ينزل علينا الوحي كما أنزل على الأنبياء ، وربما كان هذا القول أقرب إلى جوّ الآية في ما جاء بعد هذه الجملة التي أرادها الله ردّا عليهم : (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) فليست قضية الرسالة امتيازا ذاتيا يمنحه الله لأيّ شخص كان ، بل هي قضية اصطفاء واختيار وكفاءة ، في ما يعلمه الله من قابليات عباده وقدرتهم ، فمنهم الذي تميّز بسعة الفكر ، وصفاء الروح ، وطيبة القلب وقوّة الإرادة ، وعناصر القيادة ، ومنهم الذي تميّز بضيق الأفق ، وقلق الروح ، وخبث النيّة ، وضعف الإرادة ، فاختار من النموذج الأول أنبياءه ورسله ، وترك الآخرين في موقع
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
