أمام الخلائق يوم القيامة من حالة الذل والانسحاق (وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ) لأن مكرهم وانحرافهم لم ينطلق من حالة فكريّة ، قد تبرّر لهم ذلك ، بل من حالة شيطانية ، يفهمون كل خطواتها ومنطلقاتها ودوافعها ، ممّا يجعل من تصرفاتهم ، حالة إجرامية معقّدة تستوجب العقوبة الشديدة والعذاب الأليم.
وقد يلاحظ البعض أن الصّغار الذي يصيب المستكبرين في الحياة الدنيا هو بلحاظ أن الآية تتحدث عن الحياة الدنيا ونتيجة الصراع في الأرض ، ولا مانع من أن يكون عامّا في الدنيا والآخرة ، مما يفرض التركيز على واقع الحياة الدنيا في نتائج الأفعال ، حيث ينزل الله الهوان والعذاب الدنيوي بمعنى البلاء الذي يصيبهم بفعل سلوكهم المنحرف وموقفهم المضادّ.
وإننا في الوقت الذي لا نجد مانعا من استنطاق هذه الآية في المعنى الشمولي للصّغار الدنيوي والأخروي من حيث المبدأ في نتائج المواقف التي يتمثّل فيها التمرّد على الله والعدوان على رسله ورسالته من موقع الاستكبار الذاتي الذي يحكم كل أقوالهم وأفعالهم ، ولكن ظاهر الآية في الحديث عن الصغار والعذاب على مستوى المستقبل قد يوحي بأن المسألة تتحدث عن الآخرة في ما يلاقونه في يوم القيامة ، وقد جاء عن الزجّاج في تفسيره لهذه الفقرة قال :
أي سيصيبهم عند الله ذلّ وهوان وإن كانوا أكابر في الدنيا (١). انتهى.
وهذا ما يؤكّد أن المراد به هو المقابلة بين كبريائهم في الدنيا الذي يدفعهم إلى إنكار الحق والاستعلاء على أهله ، وصغارهم في الآخرة بما يلاقونه من الهوان والعذاب بين الخلائق. وفي بعض الروايات ، كما جاء في تفسير الكاشف : أن المتكبرين يحشرون في صورة الذر يطأهم الناس بأقدامهم جزاء على تعاظمهم في الدنيا (٢). والله العالم.
* * *
__________________
(١) مجمع البيان ، ج : ٤ ، ص : ٤٥٠.
(٢) تفسير الكاشف ، م : ٣ ، ص : ٢٦٠.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
