فعلوه ، ولكنهم يفعلون ما يفعلون بأنفسهم (وَما يَشْعُرُونَ) بالنتائج التي ستتمخّض عنها في الدنيا والآخرة.
ويأتي السؤال في كل آية مماثلة جاء فيها قوله تعالى : (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) فإذا كان الله هو الذي يجعل ، فأين يكمن عنصر الاختيار الإنساني في صنع الجريمة؟
وقد أجبنا عن ذلك ، بأن الجعل هنا ليس بالطريقة المباشرة ، ولكن بالطريقة غير المباشرة الموجودة في النظام الكوني الذي أودعه الله في الكون وربط فيه الأسباب بمسبباتها ، وجعل من بين الأسباب إرادة الإنسان واختياره بالإضافة إلى الظروف الموضوعية المحيطة به ، مما لا يشلّ قدرته ، ولا يعطّل إرادته ، وبذلك صحّت نسبة الجعل إلى الله ، باعتبار علاقة الفعل بالنظام العام الذي خلقه الله ، وترك للإنسان أن يتحرك في نطاقه بملء إرادته وحرّيته.
* * *
أساليب الكافرين في المكر
ويتحدث الله لنا في الآية الثالثة عن بعض أساليبهم في المكر ، فهم لا يرتبطون إلا بالجانب الحسّي في حياتهم ، أمّا العقل والفكر وما يتطلبانه من تأمّل وحوار ، فليس لهما مكان في حياتهم. ولذلك فهم لا يطلبون الإيمان من خلال حركة الفكر ، بل من خلال حركة الحس ، وإذا طلبوه من خلال الحس ، فإنهم يطلبون الشيء الذي اعتادوه أو سمعوا عنه ، فلا يقبلون نموذجا آخر ، مما لم يمر عليهم ، ولم يحدثهم الآخرون عنه ، (وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ) من معجزة ترتكز على الجانب العقلي ، أو تتفق مع طبيعة الظروف والأوضاع المحيطة بهم ، (قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ) فقد سمعوا أن موسى عليهالسلام جاء بالعصا ، وأن عيسى عليهالسلام جاء بإحياء الموتى
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
