الله فيفسدون الحياة بمكرهم. ولكن القضية ترتدّ عليهم ، في نهاية المطاف ، لأن الله لم يجعل لهم السلطة المطلقة التي يحققون فيها لأنفسهم ما يشتهون وما يريدون ، بل وضع لهم حدا مقيدا يقفون فيه حيث تقف حدود قدرتهم ، وحيث تبدأ العناصر الأخرى في الساحة بمواجهة فسادهم مواجهة قويّة حاسمة.
* * *
في كل مجتمع مترفون يمكرون فيها
(وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها) ففي كل مجتمع صغير أو كبير فئة من المترفين الذين يعتبرون أنفسهم في الطبقة العليا من المجتمع ، ويرون لأنفسهم الحق في أن يخططوا للناس حياتهم ويفرضوا عليهم سلطتهم ، ولذلك فهم يعملون للجريمة في نطاق الدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد ، بكل ما يملكون من وسائل المكر الذي يعبّر عن التدبير الخفيّ الذي يوهم الآخرين بأنه خير ، في الوقت الذي يمثل أبشع أنواع الشر ، (وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ) لأن الجريمة إذا تحوّلت إلى تيار اجتماعي ، فإنها تتسع في حركتها حتى تعود لتفتك بالناس الذين دبّروها ، فهي لا تتجمد في أيدي صانعيها ، بل تمتد لتنتقل إلى أيدي الناس الذين لا تتفق أطماعهم ومصالحهم مع الناس الآخرين ، فيرتدون عليهم ليصنعوا بهم ما صنعوه بغيرهم.
ثم ماذا بعد الجريمة؟ فليذهب هؤلاء يمينا وشمالا ، وليربحوا ما شاءت لهم أطماعهم من أرباح الحياة الدنيا ، فإنهم سيقفون أمام الله ، إن عاجلا أو آجلا ، وسيشعرون هناك بأنهم خسروا أنفسهم ، وأن مكرهم الذي صنعوا منه الجريمة قد تحوّل إليهم ، ليجدوا أنفسهم ـ معه ـ وجها لوجه أمام النار ـ وبئس القرار .. وتلك هي الحقيقة التي ستواجههم غدا نتيجة ما
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
