الحسن الذي لا قبح فيه ، وتزيّن له كلُّ شيء فيه ، حتى لا يسمع فيه نقدا ولا يقبل فيه نقاشا. وتلك هي الغريزة الإنسانية التي تتعامل في ما تصدره من أحكام سلبيّة أو إيجابيّة مع الجانب المشرق الذي تلتقي فيه الفكرة المحبّبة بالمشاعر الجميلة ، بينما ترتبط المشاعر السيّئة ، بالفكرة البغيضة.
ولكنّ الغريزة لا تلغي في الإنسان إرادة التغيير ، لأن الله جعل العقل قائدا لها ومنظّما لمشاعرها وحركاتها وحرّك الإرادة لتقف بها في نقطة التوازن ، فإذا أهمل الإنسان عقله ، وجمّد إرادته ، فإنه يهمل مصيره من حيث يقيم الله الحجة عليه في ذلك ، ومن هنا كانت عمليّة التزيين هذه التي تشير إليها الآية ، لا تعني الجانب المباشر من الفعل ، بل تعني الجانب الطبيعيّ في ما ركّب في الإنسان من طبائع وغرائز ، من أجل أن تبني له حياته ، كما يحب ، ويريد ، مع التأكيد على المسؤولية في الجانب العقلي والإرادي منها.
وفي هذه الآية إيحاء للإنسان بأن عليه أن يثير الحياة في نفسه ، ويخرجها من الموت الفكري والروحي الذي يجرّه إلى تخيّل أنّ قيمة الإنسان في أطماعه وشهواته ، وذلك بأن يعيش الإيمان بعمق ليشعر بامتداد الحياة في نفسه إلى كل شيء حوله ، من خلال إحساسه بالمسؤولية عن الأرض والناس ، وعن النبات وغير ذلك في المدى الذي تتسع فيه قدرته .. وبهذا يحصل الإنسان على نوع فريد من التفاعل بين الإيمان وسعة الشخصية. فكلّما عاش الإيمان أكثر ، كلما تحركت شخصيته في الجانب السليم أكثر. أمّا إذا غفل عن إيمانه ، واستسلم لما حوله ولمن حوله ، فإنه يستسلم للجانب السلبيّ من حركة الواقع في ما يعيشه من حالة القلق والضياع والارتباك والتخبّط التي تفرزها مفاهيم الكفر في عقل الإنسان. وهذا هو العنصر الذي يقود إلى الخبث والمكر والجريمة ، وغير ذلك من المعاني التي تتمثل في الشخصيات التي تعيش لذاتها ، فلا تتفتق عبقريتها إلا عن أفكار الشرّ ، ولا تتحرك قوتها إلا في طريق الصدّ عن الخير وعن سبيل
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
