أو يترك ذاك لهلك ، فإن قيمة الحياة في استمرارها تعلو كل قيمة أخرى سلبيّة أو إيجابية ، لأن الله قد حرّم ما حرّم من أجل الحفاظ على سلامة حياة الإنسان ، فإذا كان الالتزام بالحلال يهدد حياته ، فلا بد من الالتزام به أن يتأخر ، لتتقدم حياة الإنسان.
وربما يخطر في البال أن معنى الاضطرار لا يتوقف على أن يصل الأمر إلى حدّ الهلاك ، فيمكن أن يشمل صورة وصوله إلى حدّ الحرج الذي يواجه فيه الإنسان وضعا غير محتمل ، من ناحية صحيّة أو عمليّة ، في نطاق الظروف المحيطة به ، وهذا ما يمكن أن يصدق عليه الاضطرار في مفهوم العرف. وقد نستطيع تأكيد ذلك في ما تحدثت عنه الآية الكريمة : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج : ٧٨] و (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة : ١٨٥] فإننا نستبعد أن يكون هناك تعدّد في العناوين الرافعة للتحريم ، لا سيما بلحاظ اقتراب المفهومين من بعضهما البعض ، وتلاقيهما في أكثر من مورد ، إننا نسجل هذا الاحتمال ، من أجل أن نضعه موضع التفكير ، في خطّ الاجتهاد الفقهي ، لأن الوصول به إلى نتيجة حاسمة ، قد يحقق لنا الكثير من النتائج الفقهية على مستوى حياة الناس العمليّة.
(وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) فيثيرون الشبهات أمام أحكام الله وتعاليمه ، لمجرّد إرباك الموقف ، وتضليل الخطى ، ولا مانع من الشبهات إذا كانت منطلقة من قاعدة علميّة مستندة إلى تحليل فكريٍّ للأشياء ، لأنّ المنطق العلميّ يمكن أن يؤدّي إلى نتيجة إيجابيّة في مجال الحوار ، لأن هناك قاعدة محددة يمكن أن يلتقي عليها المتحاورون ، في ما يمكن أن يتحاوروا فيه من موازين العلم وقضاياه ، أمّا الشبهات التي تثار على أساس الأهواء والشهوات ، فلا مجال لإدارة الحوار حولها ، لأنها لا تستند إلى أساس للأخذ والردّ ، بل كل ما يحمله دخولها هو المزيد من الأوهام والضباب والدخان ، الذي يحجب الرؤية قليلا ، ثم يضيع في الهواء.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
