وفي هذه الحالة ، لا بدّ من أن يرجع الإنسان إلى قاعدة إيمانه وفكره ، فيخلو إلى نفسه ، ليعرف ـ من خلال ذلك ـ كيف تتبخّر كل هذه الشبهات في الفضاء من دون حاجة إلى جهد كبير ، لأن المسألة تتحوّل ـ في حركة الساحة ـ إلى عدوان على الحق ، لا إلى فكرة تبحث من خلال الشبهات عما هو الحق ، في هذا الجانب أو ذاك ؛ وإذا كانت القضية قضية عدوان على حدود الله .. فإن على المؤمن أن لا يتراجع عن خط الدفاع عن إيمانه وعما يفرضه هذا الإيمان من حدود ، ولن يضرّه أحد ـ في ذلك ـ شيئا ، لأن كل ما يحدث هو في علم الله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) وهو الذي يتولّى حسابهم في الآخرة.
* * *
ترك الإثم قاعدة إيمانية
(وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ) وتلك هي القاعدة الإيمانية التي تؤكد للإنسان أن يدع الإثم كله ، في ما يمثله من المحرمات ، لأن إرادة الله تفرض عليه ذلك ، سواء كان هذا الإثم ظاهرا واضحا لا يمكن أن تقترب إليه الاحتمالات الخفيّة ، أو كان باطنا يعرفه بعض الناس وينكره بعض آخر ، فإنّ مثل هذا اللّون من الاختلاف لا يغيّر شيئا من طبيعة الإثم من حيث ما يتمثل فيه من مضرّة للإنسان وسخط لله.
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ) الذي توحي به شهواتهم ، وتدعوهم إليه أطماعهم ، فينسون الله وينسون أنفسهم ، حتى يظنوا أنهم بعيدون عن سيطرة الله الواحد القاهر ، فيأخذون حرّيتهم ويمتدّون في الإثم كما يشاءون ، ويكسبونه بكل جهدهم وطاقتهم ، فيحسبون أن المسألة قد انتهت ، تماما ، فلا عقاب ولا عذاب ، ولكن الله لا ينسى إذا نسوا ، ولا يغفل إذا غفلوا ، في ما اقترفوا (سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ) من ظاهر الإثم وباطنه.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
