والثائرين والمصلحين بمختلف ألوان الحرب ، وتبعثر خطواتهم على أكثر من صعيد ، حتى إذا تقدمت الرسالة والثورة والإصلاح ، وانتصرت انطلقت الأكثرية لتسير مع الأجواء الجديدة ، لتعمل على احتوائها وتوظيفها لمصلحتها ولتسلك أساليب اللف والدوران وفنون الخداع والنفاق ، ولتعود ـ من جديد ـ لتحارب الرسل والثائرين والمصلحين ، من موقع آخر ، وبوسائل أخرى .. وهكذا تستمرّ الحياة في صراع الأكثرية السائرة مع التيار ، مع الأقليّة المتحركة ضده.
إن القرآن لا يعتبر الكثرة العددية أساسا للنتائج الإيجابية على مستوى الحقيقة ، لأن للحقيقة أساسا ينطلق من الوحي الإلهي من جهة ، ومن الفكر الهادىء الموضوعي العميق من جهة أخرى ، ولن يكون للأرقام الكثيرة أيّ تأثير في هذا المجال ، لأنها لا تستطيع أن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام ، ما لم تنطلق من موقع فكر ينضمّ إلى فكر ، لتكون القضية قضيّة شورى يتداول فيها الناس الأفكار في جولة فكريّة تتحرك في خطّ الحوار ، لتقدم ـ في نهاية المطاف ـ الرأي الأفضل ، الذي لا يفرض نفسه على القيادة ، بل يمنحها فرصة الاقتراب من الخط السليم ، ولترى رأيها النهائي حول الموضوع سلبا أو إيجابا.
إن الأرقام التي تتكاثر تبعا لتكاثر الأطماع والشهوات والانفعالات ، لا يمكن أن تمثّل حركة الإنسان نحو الحقيقة ، لأنها تتعامل مع العاطفة التي تثير أمامه ضبابا كثيفا يحجب عنه وضوح الرؤية للأشياء ، ويبعده عن معرفة الساحة الحقيقية للشخص وللموقف وللمبادئ ، إلا من خلال ما يريده أولئك الذين يحركون الأطماع والشهوات والانفعالات في لعبة الباطل المتعددة الأساليب والأشكال والألوان.
وفي ضوء ذلك ، لا بدّ من التمييز بين الأكثرية الواعية المفكّرة المخلصة ، والأكثرية الساذجة المنفعلة المزيّفة ، ولا بد لنا ـ في نطاق ذلك ـ
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
