التشريع المستقلّ الذي يتحرّك من التجارب المحدودة التي تفرض لهذه المرحلة تشريعا يمكن أن نتجاوزه إلى تشريع آخر في مرحلة أخرى ، تماما كما يفعل المشرّعون الذي يضعون القوانين في المجالس النيابية ، في الدول الحاضرة القائمة على أساس أن التشريع للأمة من خلال ممثّليها ، بل إنه يعني الرأي المستمدّ من القواعد الشرعية في فهم النصوص الدينيّة في الكتاب والسنّة ، في ما يفهمه المجتهد منها ، وفي ما يستوحيه مما ينسجم مع أجواء النص وإيحاءاته. فلا يمكن له أن يعطي رأيا في مقابل النص ، أو يضع حكما لم يرد به نص ، ولم تفرضه قاعدة فقهية مستمدة من الكتاب والسنّة ، حتى العقل الذي اعتبره بعض المجتهدين دليلا من أدلّة الأحكام ، لا بد له من أن يتحرك في نطاق الأفكار القطعية التي لا يقترب إليها الشك في ما يستفيده من ملاكات الأحكام ، فلا مكان للحكم العقلي العقلي الظني في ذلك من قريب أو بعيد.
إنّ الاجتهاد الإسلامي هو اجتهاد في فهم الإسلام ، وليس اجتهادا ذاتيا يستمد أفكاره من حركة الواقع ، ولا مانع من أن يتغير الحكم الشرعي تبعا لتغيّر الاجتهاد ، ولكنّ تغيّر الاجتهاد لا يخضع للتغييرات الحاصلة من الخارج بل من خلال اكتشاف خطأ في الاجتهاد السابق أو خلل في فهم النصّ أو في تطبيقه ، أو في قاعدة شرعيّة لا يكون لها مجال في هذا المورد أو ذاك ، لأن قاعدة شرعية أخرى هي الأولى في هذا الموضع أو ذاك.
وعلى ضوء ذلك ، يبقى الاجتهاد متحركا ، في نطاق حدود علمية معيّنة تحفظه عن الانحراف ، وتصونه عن الزلل ، وتحركه في اتجاه الاكتشاف الأمين للحكم الشرعي الذي أنزله الله في كتابه ، أو أوحى به إلى نبيّه ، فلا مجال لتطوير الإسلام من خلال الاجتهاد ، بل كل ما هناك ، أن نجتهد في دراسة مدى انسجام خطوات التطور مع خط الإسلام في التشريع ، أو ابتعادها عنه ، لنحدد موقفنا من ذلك ، لأن حكم الله هو القاعدة للحياة ، وليست
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
