الإنسان هو هدف الرسالات
(قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) ولعل المراد بها وسائل الوعي الفكري والبصيرة القلبيّة ، مما أوحى به الله إلى رسله ، من كتب وتعاليم ودلائل ، في ما أراد الله للإنسان أن يفكر فيه ويتأمّله ويتعمق في دقائقه ليصل من خلاله إلى الهدى الذي يفتح له نوافذ المعرفة الفكرية والروحية ، ويقوده إلى الصراط المستقيم في مسيرته العملية في الحياة ..
وبذلك كانت قضية الرسالات قضية الإنسان في ما تستهدفه من رفع مستواه وتدبير أموره ، وتحديد دوره الطبيعي في تنظيم شؤون الكون من حوله ، ليبلغ السعادة في الدنيا ، على أساس راحة الفكر والعمل والشعور ، وينال السعادة في الآخرة على أساس ما يحصل عليه من جنة الله ورضوانه.
(فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها) فإذا انطلق الإنسان ، وفتح نوافذ قلبه على النور ، ونظر بعين البصيرة إلى حقائق الكون والحياة ، فإنه يحقق لنفسه الربح الكبير .. أمّا إذا أغلق قلبه عن النور ، وأعمى عينيه عن رؤية الحقيقة فإنه لن يضرّ أحدا في ذلك ، بل يضرّ نفسه ، لأنه حرمها من آفاق الخير والسعادة والسلام ، وتركها تتخبط مثلما يتخبّط الأعمى عند ما يسير في دربه ، وذلك هو ما يؤكده القرآن في قضية العمى والبصر في قوله تعالى : (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج : ٤٦] ، لأن المسألة لديه هي مسألة الإنسان من الداخل ، الإنسان ، الفكر .. العقل .. الشعور ، لا الإنسان الشكل ـ الجسد ، لأن الله يريد للإنسان أن يتحرك بعقله ليحرّك الحياة من حوله على هداه ، ولا بد للعقل من أن ينفتح على كل نوافذ المعرفة في ما منحه الله من مفرداتها المتنوّعة التي يدركها الحسّ ، وفي ما أوحى الله به إلى رسله من رسالة وكتاب ، ليجتمع له من هذه وذاك الفكر الصائب المنفتح الذي يتفايض بالإشراق ، وينطلق من منابع النور ، ليخطط للحياة طريقها المستقيم كما يريده الله ، وليثير ـ مع نفسه ـ آفاق الروح السابحة في آفاق الله.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
