وهذا ما ينبغي للمنهج التربوي الإسلامي أن يحركه بتوجيه الجهد الإنساني إلى تنمية العقل وتطويره ، ليحلّق في الآفاق الشاسعة للمعرفة ، ولا يقتصر على الضيّق منها .. وليعرف أن القضية ، في جانبها السلبي والإيجابي ، هي قضيته بالذات ، في ما تمثله قضية المصير في نطاق الهدى والضلال ، تماما كما هو الإنسان الذي يملك العينين المفتوحتين المبصرتين عند ما يهتدي في طريقه ، وكما هو الإنسان الذي يملك العينين المطبقتين على الظلام العمياوين ، عند ما يتخبط في الطريق.
(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) وتلك هي مهمة النبي .. فهو لم يأت ليفتح قلوب الناس على الهدى ، بالقوّة والمعجزة ، بل جاء ليقدّم لهم الدلائل والبيّنات التي تفتح عقولهم على الحق ، بالفكر والتأمّل والإرادة الواعية المتحركة في خط الإيمان ، وتلك هي مهمّة الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان ، الكلمة الهادية ، والأسلوب المشرق ، والجوّ الهادىء الذي يوحي بالفكر والموضوعيّة ، ويقود إلى الإيمان من أقرب طريق.
وربما أريد من هذه الفقرة ، أن النبي ليس مسئولا عن مراقبتهم والمحافظة عليهم ولا الإشراف على أعمالهم ومحاسبتهم وثوابهم وعقابهم ، فإن الله هو الذي يتولى ذلك كله ، وليست مهمة النبي إلا إبلاغ الرسالة بكل الوسائل التي يملكها مما يبذله من جهد الدعوة والإقناع. وهذه هي مهمة الداعية في حركة الدعوة إلى الله بتلاوة آيات الله وإبلاغ رسالته ، وتبقى المهمة ـ في الدنيا ـ في ملاحقة حركتهم في الواقع لوليّ الأمر الذي يطبّق النظام ويحافظ على الحياة في واقع الإنسان وغيره ، وفي الآخرة تكون القضية في يد الله في الحساب والعقاب والثواب.
وهذا هو الذي يحدّد للرسالة موقعها وخطوطها ، وللرسالي مهمته ودوره.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
