التوزيع في مقومات الشخصية لدى الأنبياء بين زاهد لا يملك السلطة ، وسلطان لا يعيش الزهد ، ومبتلى لا يحمل المسؤولية ، وهذا مما قد لا ينسجم مع طبيعة الرسالة التي يحملها كل واحد منهم من أجل تغيير المجتمع في الواقع الأخلاقي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي على هدى الله في ما يأمر به أو ينهى عنه ، مما يفرض أن لا يترك الرسول أيّ فراغ في حياة الناس ، لئلا تبقى النظرات المختلفة بمثابة نقاط ضعف في حركة الإنسان في الحياة ، ولذلك فإن من المفروض أن تكون مهمة الرسول شاملة ، مما يفرض أن تكون شخصيته متكاملة في طبيعتها وأخلاقيتها ودورها العملي.
ويجاب عن ذلك ، بأن إبراز دور معيّن في شخصية هذا النبي أو ذاك ، لا يعني تحديد هذه الشخصية ، بل كل ما يعنيه هو تميّز المرحلة التي يعيشها ، بهذا الدور لحاجتها الواقعية إليه .. وبذلك فلا مانع من اشتراكهم في مستوى حمل المسؤولية أمام الله تجاه الناس ، وفي الصفات الذاتية التي تمثّل العمق الروحيّ في طبيعة الشخصية ، وفي الحركة العملية في الدعوة إلى الله وفي الجهاد في سبيله.
إن التنوّع في الخصوصيات الذاتية تابع لتنوع الأدوار والظروف التي يعيشها الإنسان في ساحة الواقع ، وهذا مما يمكن أن نستفيده في مجال حركة العاملين في سبيل الله ، فقد يعيش البعض منهم في منطقة تفرض عليهم ظروفها أن يدخلوا في إطار عمليّ قويّ يمارسون فيه السلطة والحاكميّة ، لأن قضية التحديات تفرض المواجهة على هذا المستوى ، وقد يعيش البعض منهم في منطقة أخرى تفرض عليهم ظروفها أن يعيشوا الزهد في المظهر والانقطاع عن الدنيا في حركة الحياة ، لأن هذا هو السبيل الموحي بالروحية الصافية التي تحرّك المشاعر ، وتثير الأفكار ، وتحقّق الثقة ، وتوصله إلى الهدف الكبير في إيصال الرسالة إلى أفكار الناس ومشاعرهم ..
وقد تفرض عليهم الظروف أن يعيشوا المشاكل والتحديات وصنوف
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
