للمفكر أن يؤمن بالحقيقة من خلال بداهته وفطرته ، ثم يدخل في الحوار مع الآخرين في مجالات الصراع المعقّدة على أساس حاجة الساحة إلى الأساليب المعقدة استجابة لحاجة الموقف من ذلك كله ..
وتطالعنا ـ في هذا المجال ـ شخصيّة إبراهيم ـ النبيّ ، التي يقدّمها لنا القرآن في صورة بسيطة صافية وعفوية في أجواء الصفاء الروحي والبساطة الإنسانية والطبيعة العفوية التي تلامس في الإنسان طفولته البريئة في ما تلتقي به من حقيقة الأشياء ليفكر من خلال براءة النظرة في عينيه وسلامة الحسّ في أذنيه ويديه في ما يرى أو يسمع أو يلمس في يديه من أدوات الحسّ الواقعي. فنحن لا نرى فيه ـ من خلال الصورة القرآنية ـ شخصية الإنسان الذي يتكلف الكلمات التي يقولها للآخرين ، ولا نلمح لديه روحيّة الشخص المشاكس الذي يبحث عن المشاكل في أفعاله وعلاقاته ، بل نشاهد فيه الشخصية البسيطة الواقعية التي ترتبط بالأشياء من جانب الإحساس ، فتسمي الأشياء بأسمائها بعيدا عن تنميق الألفاظ ، وزخرفة الأساليب ، بقوّة وصدق وواقعية وإيمان.
* * *
إبراهيم بين الضلال والإيمان
(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ففي الصورة الأولى ، نلتقي به في موقفه من أبيه الذي يعبد الأصنام التي يعبدها قومه ، فيواجهه بالرفض الجذري للموقف من الأساس ، لرفضه الفكرة التي يرتكز عليها ، فهذه الأصنام ، هي أحجار جامدة ، كبقية الأحجار الموجودة في العراء ، ولا ميزة لها إلا أنّ يد الإنسان قد أعطتها بعض ملامح الصورة ، فحوّلتها إلى تماثيل ، فإذا كان الإنسان هو الذي أعطاها تلك الميزة التي تختلف بها عن سائر الأحجار ، فهي صنع يده ، فكيف تكون آلهة له؟
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
