ومن الذي أودع فيها سرّ الألوهة؟ وهل الألوهة شيء يصنع ويخلق أو هي قوّة تصنع وتخلق؟ ثم إن الألوهة تعني القدرة والعلم والحياة والغنى المطلق في ما تشتمل عليه في حقيقتها ، فأين هي هذه المواصفات في تلك التماثيل؟ إنها الأوهام التي حوّلت الأشياء غير المعقولة إلى عقائد وتصوّرات ورموز قداسة في مستوى الآلهة ، فكيف تتخذ هذه الأصنام آلهة؟ إن فكره لم يلمح أيّة إشراقة للحقيقة في ما تسير عليه ، ولو من بعيد ، بل كل ما هناك هو الظلام والتيه والضياع ، هنا يتحوّل التساؤل ، إلى حكم قاطع في مستوى وعيه للحقيقة المنطلقة من خط الهدى ، التي تحدّد ملامح الضلال في خطوط الآخرين ..
إنه الموقف الصلب الذي لا يهادن ولا يجامل ولا يغلّف الأشياء بغلاف سحري ؛ بل يدفع الموقف إلى الأمام ، بكل وضوح وصراحة ، بعيدا عن اللياقة التي تفرضها علاقة الابن بأبيه ، لأن قضية العقيدة لا تخضع للجانب العاطفي من العلاقات ، فعلاقة الإنسان بالحقيقة التي تربطه بالله أقوى من أيّة علاقة بأيّ إنسان كان.
* * *
إبراهيم (عليه السلام) في رحلة تعرفه على الله
وفي الصورة الثانية نشاهد إبراهيم عليهالسلام يتطلع إلى السماء ، كما لو كان قد شاهدها أوّل مرة ، فهو ـ في ما توحيه الآية ـ يواجهها كتجربة جديدة لم يلتق بها من قبل ، وذلك في ما تعنيه التجربة من المعاناة في حركة الحسّ البصري كمادّة للتفكير ، للانتقال من المحسوس إلى المعقول ، ومن المادّة إلى المعنى. فقد كان يشاهدها سابقا ، في رؤية جامدة ، لا تعني له شيئا ، إلا بمقدار ما يعنيه انعكاس الصورة في العين ، لمجرّد تجميع الصور في الوجدان ، في ما يلتقي به الإنسان من مألوفاته العادية في حياته اليوميّة ، وهكذا نجد أن الرؤية التي يتحدث عنها القرآن في قوله تعالى : (وَكَذلِكَ
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
