(حَنِيفاً) : مائلا إلى الحق.
* * *
إبراهيم (عليه السلام) مثال للفطرة الصافية في إيمانه
وتنعطف السورة انعطافة جديدة ، في حديثها عن العقيدة ، متجهة إلى الفطرة الصافية ، التي تناسب منها الأفكار بعفويّة وبساطة ، قادرة على مواجهة الانحرافات الفكريّة دون تعقيد فلسفيٍّ تحليليٍّ ، لا لأنّ الفكر الإيماني لا يتحرك في اتجاه العمق في عمليّة الحوار ، بل لأنّه يواجه قضايا الصراع من منطق الواقع في مفردات التصوّر وأدوات الساحة ، فلا يعمل على أساس الحالة الذاتية للمفكر ، بل على أساس الحالة الواقعيّة الإنسانيّة للآخرين ، لأنّه يطمح إلى أن يعيشوا الإيمان في تجربتهم لتكون حركة الإيمان لديهم ، قضيّة محاكاة لا قضيّة معاناة .. ولهذا كانت الأساليب القرآنية في قضايا العقيدة ، سائرة في هذا النهج الفطري غير المعقد ، الذي يخاطب الفكر بالوجدان ، ليلتقي بالحقيقة من أقرب طريق ، لأن الوجدان الصافي ، هو الغاية التي ينتهي إليها الفكر في معادلاته ، فهو القاعدة التي تنطلق منها مقاييس الصواب والخطأ ، انطلاقا من ارتكاز المنطق النظري على بداهة الحقائق التي يقبلها الوجدان.
وفي ضوء ذلك نفهم أن هذا الاتجاه لا يعني تجنّب الفكرة العميقة على أساس أن القرآن لا يخاطب الفئات المثقفة ، بل يخاطب البسطاء الذين يعيشون بساطة الفكرة والأسلوب. ونحن لا نوافق على ذلك ، لأن القرآن جاء ليكون الحجة على الناس كافة ، ليخاطب كل فرد بالحجة التي تقوم عليه ، بل القضيّة كل القضية هي أن القرآن يتّجه إلى الفطرة في كل إنسان ، في القضايا التي توحي بها ، لئلا تغرق الفكرة في متاهات الجدل كأسلوب استعراضي يعقّد الفكرة لا كأسلوب تفرضه طبيعة الأشياء. وبهذا يمكن
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
