أحسن شاهد على أن والده الذي دعا له فيها غير الذي يذكره سبحانه بقوله : (لِأَبِيهِ آزَرَ) فإن الآيات ـ كما ترى ـ تنص على أن إبراهيم استغفر له وفاء بوعده ثم تبرّأ منه لما تبين له أنه عدوٌّ لله ، ولا معنى لإعادته الدعاء لمن تبرّأ منه ولاذ إلى ربّه من أن يمسّه ، فآبوه أزر غير والده الصلبيّ الذي دعا له ولأمه معا في آخر دعائه.
ومن لطيف الدلالة في هذا الدعاء ـ أعني دعاءه الأخير ـ ما في قوله (وَلِوالِدَيَ) [إبراهيم : ٤١] حيث عبّر بالوالد ، والوالد لا يطلق إلا على الأب الصلبيّ ، وهو الذي يلد ويولّد الإنسان مع ما في دعائه الأخير (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء : ٨٦] والآيات الأخر المشتملة على ذكر أبيه آزر فإنها تعبر عنه بالأب والأب ربما تطلق على الجد والعم وغيرهما (١).
ونلاحظ على ذلك أن التأكيد على كلمة «الأب» في القرآن بشكل متكرر في كلام الله عنه وفي كلام إبراهيم في خطابه ودعائه له ، يوحي بأن الإشارة إلى الجانب الأبوي في معنى النسب المباشر كما هو المتبادر من الكلمة.
ولا مجال للاستدلال على إطلاق كلمة الأب على العم بقوله تعالى : (قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً) [البقرة : ١٣٣] فإن الإطلاق وارد على سبيل التغليب ؛ أما إطلاقه على الجدّ فهو منسجم مع انتسابه إليه بالولادة بشكل غير مباشر ، ولم يعهد استعمال كلمة «الأب» في غير الوالد والجد إلا على نحو المجاز ، ولذلك فإنه لا شاهد على الحمل المذكور في السياق القرآني.
وأما ما ذكره من الشاهد على دعواه بأن إبراهيم استغفر لوالديه في آخر أمره مما يدل على أن المقصود به غير أزر الذي تبرأ منه لما تبين له أنه عدوٌّ لله ، فيرد عليه أن براءة إبراهيم من أبيه من حيث كفره وضلاله كانت منذ البداية حتى في حال وعده له بالاستغفار عند ما قال له : (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٧ ، ص : ١٦٩ ـ ١٧٠.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
