الله عالم بالكليات والجزئيات
٢ ـ قال (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ) إلخ ... إن هذه الآية تصور الله عالم الغيب في كل خزائنه بما تحتويه من أسرار الغيب الإلهي الذي لا يملكه إلا هو ، وفي كل مفاتيحه التي تفتح كل المفردات الغيبية على نحو الكناية ، لأن من ملك مفتاح الشيء ملك الشيء من خلال قدرته على الدخول إليه والاستفادة مما فيه.
فلا علم للغيب إلا من خلاله ، لأنه ـ وحده ـ الذي يملك مفاتحه وخزائنه ، فلا يجوز وصف أحد غيره بذلك إلا بما يرزقه الله من بعض مفردات علمه على سبيل التعليم لا على سبيل إعطاء القدرة بحيث يتحول الموضوع إلى طبيعة فيه.
وهو الذي (وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) من الكائنات الحية والجامدة ، والذرات الكبيرة والصغيرة ، وقطرات الحياة في أوزانها الخفيفة والثقيلة ، والمعادن المتنوعة المتناثرة في السطح وفي أعماق في الأرض والبحار ، (وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها) فهو الذي أعطى الأغصان أوراقها ، وهو الذي وضع القوانين التي تسقطها على الأرض وتذروها في الهواء ، وهو الذي يحصي عددها عند ما توجد وعند ما تسقط ، (وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) وهكذا تتناثر الحبوب الصغيرة في كل المزروعات الممتلئة بالحب ليحيط بها علمه ، وهي تخضر في سنابلها ، ثم وهي تذوي وتتساقط في حالة يبسها في حالة الحصاد وغيرها ، حتى أنه يعلم الحبة التي تحملها النملة إلى حجرها في أعماق الأرض.
وهكذا يتّسع علمه للإنسان بكل خلاياه في نموّها وتجددها ، وبكل ما يشتمل عليه الجسم من عوالم وحركات ونظم وسنن وقوانين وأوضاع ، وبكل الفكر الإنساني الذي يتحرك به العقل والإحساس والفطرة ، وبكل الغرائز
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
