تركيز الشعور بالغيب وروح السلام
في هذه الآيات حديث عن صيد البر والبحر في حال الإحرام ، في ما يتعلّق بأحكامه الشرعيّة ، وإيحاء بأنّ التحريم والتحليل في الإسلام ، يعتبران نوعا من أنواع الاختبار والامتحان للمسلمين ، بالإضافة إلى تعلّقهما بالمصالح والمفاسد ، وذلك لأنّ الإيمان حالة فكريّة ووجدانيّة في داخل النفس ، يتحرّك فيها الإحساس بالغيب ، في ما يوحيه الإيمان بالله من أجواء غيبيّة لا تتصل بالحس بشكل مباشر ، ولذا ، فهو قد يضعف ـ في بعض الحالات ـ ليعود مجرّد خاطرة من خواطر الفكر ، وعاطفة من عواطف الشعور ، فلا يلتزم بطاعة ، ولا يمتنع عن معصية ، وقد يشتد فيتجسد التزاما بأوامر الله ونواهيه. لذا احتضن التشريع الإلهي في طياته وجها من وجوه البلاء والاختبار ، ليميّز الله الإيمان المائع من الإيمان المستقر. وهذا ما أراد الله بيانه في هذه الآيات ، فقد فرض على الناس في حال الإحرام ، وفي داخل الحرم ، ترك الصيد البري ، مما تناله أيديهم من فراخ الطير وبيضه ، وصغار الصيد ، ومما تناله رماحهم من كبارها ما كان من الوحوش ونحوه ، لأنّ الله يريد لهم ، من جهة ، أن يعيشوا حالة السلام مع كل شيء حيّ حولهم ، وكوسيلة من وسائل تأكيد الإرادة الفاعلة القويّة في ما يأمر به الله تعالى وينهاه من جهة أخرى ، مما يتصل بأمور حياتهم في مطلق الأحوال ، لا سيّما في حال الإحرام بوصفه مظهرا بارزا من مظاهر الالتزام الاختياري للإنسان بأحكام الله تعالى ، بحيث يشكل منطلقا ، من جملة المنطلقات التشريعيّة الأخرى ، كالصوم والصّلاة .. إلخ ، للتقيد التام بهذه الأحكام في كل الأوقات والأحوال والأمكنة.
فيقف الإنسان مع التزامه الداخلي بين يدي الله بصفته الإيمانيّة الّتي تُمثّل الإيمان بالغيب ، والخشية بالغيب ، والإحساس العميق بحركة الغيب في وجدانه الخفي ، كما أراد الله للبلد الحرام أن يكون منطقة سلام للحيوان
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
