من حركتها وعطائها ، وهذه الرؤية منهم ، لأنّهم ينظرون إلى فقر عباد الله ، فإذا كان الله قادرا على العطاء وعلى نصرة عباده ، فكيف يتركهم للفقر ينهش أجسادهم ، وللظلم يخنق حياتهم؟! ويشعرون أمام ذلك بالعلو والرفعة بما يملكونه من مال وجاه وقوّة إزاء ما يفقده الآخرون من ذلك كله ، ولكنّ الله يقابل منطقهم الأعوج هذا بالدعاء عليهم بأن تغلّ أيديهم بالمرض الّذي يمنعها من التحرك والقدرة ، أو بالحديث عن الإمكانات المستقبليّة الّتي قد توحي بشيء من هذا القبيل ، ليكون الجو أشبه شيء بالتهديد الخفي ، (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) وشلّت ومنعت من التحرك الّذي يمليه عليها إرادتها ومعتقدها.
ثمّ يواجههم باللعنة (وَلُعِنُوا بِما قالُوا) ، وذلك بسبب ما قالوه من كلام ينطلق من جهل وسوء معرفة بالله الّذي خلقهم ورزقهم وأفاض كلّ نعمه عليهم وعلى جميع خلقه ، وبشكل دائم لا انقطاع له ، مما يكشف عن تمرّدهم وانحرافهم واستغراقهم في أجواء الضلال ، وابتعادهم عن الحقيقة الإلهيّة الّتي تفرض نفسها على الوجود كله (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) بالخير المتدفق في كل مجاري الحياة ومواردها كالينبوع المتدفق المتفجر بالعطاء المستمر والممتد ، وجاءت اليد هنا لتدل على النعمة والرزق والعطاء على سبيل الكناية ، وربّما كانت التثنية سبيلا من سبل التعبير عن الشمول في العطاء من خلال كل الوسائل الّتي ينزل فيها الخير على خلقه (١) ، (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) فليس لأحد من
__________________
(١) جاء في المجمع ، قال أبو علي الفارسي : قوله ـ أي الزجّاج ـ نعمتاه مبسوطتان ، لا يدل على تقليل النعمة وعلى أنّ نعمته نعمتان ثنتان ، ولكنّه يدل على الكثرة والمبالغة ، فقد جاء التثنية ويراد به الكثرة والمبالغة وتعداد الشيء ، لا المعنى الذي يشفع الواحد المفرد ، ألا ترى إلى قولهم : لبيك إنّما هو إقامة على طاعتك بعد إقامة ، وكذلك سعديك إنّما هو مساعدة بعد مساعدة ، وليس المراد بذلك طاعتين اثنتين ولا مساعدتين ، فكذلك المعنى في الآية أنّ نعمه متظاهرة متتابعة. فهذا وجه ، وإن شئت حملت المثنى على أنّه تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد ، ويكون أحد جنسي النعمة نعمة الدنيا ، والآخر نعمة الآخرة أو نعمة الدين» * ، انتهى. ويمكن أن يكون الأساس في التعبير أنّ العطاء يكون باليد ، فإذا كانت اليدان ـ
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
