وقفة مع صاحب الميزان
وقد ذكر صاحب الميزان أنّ الوجه في ذكر الفسق عند التعرّض لما يرجع إلى النصارى ، والكفر والظلم في ما يعود إلى اليهود ، «أنّ النصارى بدّلوا التوحيد تثليثا ورفضوا أحكام التوراة بأخذ بولس دين المسيح دينا مستقلا منفصلا عن دين موسى مرفوعا فيه الأحكام بالتفدية ، فخرجت النصارى بذلك عن التوحيد وشريعته بتأوّل ، ففسقوا عن دين الله الحقّ ، والفسق خروج الشيء من مستقره كخروج لبّ التمرة عن قشرها.
وأما اليهود ، فلم يشتبه عليهم الأمر في ما عندهم من دين موسى عليهالسلام وإنّما ردوا الأحكام والمعارف الّتي كانوا على علم منها ، وهو الكفر بآيات الله والظلم لها» (١).
ونلاحظ على ذلك أنّ اليهود والنصارى يستوون في رفض الدين الحقّ وهو الإسلام ، وفي التحريف المتصل بنبوّة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولذلك أطلق عليهم جميعا كلمة (الَّذِينَ كَفَرُوا) في قوله تعالى : (ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ) [البقرة : ١٠٥] كما أنّ ابتعاد بولس عن دين موسى عليهالسلام يمثّل نوعا من الكفر والظلم للحقيقة.
كما أنّ الآيات كانت في مقام إطلاق الحكم بالكفر والظلم والفسق على الّذين لا يحكمون بما أنزل الله من حيث انطباق العناوين الثلاثة عليه ، أمّا اختلاف التعبير ، فقد يكون منطلقا من الأسلوب القرآني الفني في تنويع الصفات في الموارد المتعددة في الذكر ، الموحدة في العنوان ، لتذكر كل صفة في كل آية ، لأنّ ذلك أقرب إلى البلاغة ، وربّما يؤكد هذا المعنى أنّ الصفات
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٥ ، ص : ٣٥٥.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
