أجله ، وأصمّوا أسماعهم عن سماع آيات الله ، وأغمضوا عيونهم عن مشاهدة دلائل الله في خلقه ، فسقطوا في امتحان التجربة الصعبة ، فحقت عليهم كلمة الله من خلال الربط بين الأسباب والمسببات ، فمن يأخذ بأسباب الكفر ، ويبتعد عن أسباب الهدى ، فإنّ إرادة الله تفرض نفسها في حصول النتائج السلبيّة ، وذلك قوله تعالى : (وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً). والظاهر أنّ المراد منها ـ بقرينة المورد ـ فتنة الإنسان عن طريق الحق ، وذلك بإدخاله في التجربة الصعبة الّتي يؤدي انحرافه عن سبيل الحق معها إلى السقوط في مهاوي الضلال. وعلى ضوء هذا ، يكون معنى (فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً) أنّه لا يستطيع هدايته لعدم توفر أسباب الهداية لديه. والله العالم.
ويتابع القرآن الفكرة في إعطاء الصورة الحقيقيّة لهؤلاء ، فهم (أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) لأنّهم لم يأخذوا بأسباب الطهارة ، في ما أنزله الله من آيات وما منحهم من فرص وخلقه لهم من أجواء ، لذا كان (لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ). ثمّ يكرر صفتهم الأولى : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) لأنّها هي الّتي تؤدي بهم إلى الانحراف والضياع والضلال ، ويضيف إليها صفة ثانية ، (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) ، وهو الحرام ، فهم يستبيحون كل شيء في سبيل مطامعهم وشهواتهم من دون التوقف على طبيعة الشيء الشرعيّة من حيث هو حلال أو حرام. تلك هي بعض ملامحهم الذاتيّة والعمليّة الّتي أراد الله من خلالها إعطاء النموذج الحي لهؤلاء النّاس ليكون المؤمنون في وضوح من الرؤية ، عند ما يلتقون في مراحل العمل بأمثالهم ليعرفوا كيف يتعاملون معهم ، وكيف يجتنبون شرّهم.
أمّا قصة هذا الجو ، فينقلها المفسرون في أسباب النزول كما جاء في مجمع البيان عن الباقر عليهالسلام في تفسير هذه الآية ، أن امرأة من خبير ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم وهما محصنان ، فكرهوا رجمهما ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
