جزاء المفسدين في الأرض
وهذا حديث عن حدّ من حدود الله ، وضعت الشريعة له وسائل عمليّة جزائيّة حاسمة من خلال حديثها عن حدود الله تعالى ، كما في هذه الآية ، وذلك لحفظ الأمن ومنع النفوس الشريرة من الاندفاع بعيدا عن نوازعها الذاتيّة المنحرفة ، الّتي تندفع نحو القتل والنهب وقطع الطريق وتدبير المكائد للإسلام والمسلمين ، وإشاعة الفوضى والخراب والفساد في حياة النَّاس ، وما إلى ذلك ... وليتضح الأمر بالنسبة لعقاب المحاربين لله ورسوله ، علينا البحث في أمور عدّة :
أولا : من هو المحارب لله؟ هل هو مفهوم مطلق عام يشمل كل الموارد ، أو هو من العناوين الّتي تنطبق على مصاديق وموارد معيّنة ليس إلَّا ، من قبيل الإشارة إلى تلك الموارد الّتي هي الأساس في الحكم؟ ربَّما كان من المناسب ـ في بداية هذا البحث ـ أن نذكر ما رواه المفسرون في سبب نزول هذه الآية ، حيث ذكر صاحب «مجمع البيان» أنَّها نزلت في قوم كان بينهم وبين النبيّ موادعة ، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض ، عن ابن عباس والضحّاك ، وقيل : نزلت في أهل الشرك ، عن الحسن وعكرمة ، وقيل : نزلت في العرنيين لما نزلوا المدينة (مظهرين) (١) للإسلام واستوخموها (٢) واصفرت ألوانهم ، فأمرهم النبي أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، ففعلوا ذلك فصحّوا. ثمَّ مالوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل وارتدوا عن الإسلام ، فأخذهم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف
__________________
(١) زيدت هذه الكلمة لتوضيح المعنى ، وقد وضعت في الكتاب في الهامش هكذا.
(٢) استوخم المكان : استثقله ولم يوافق هواؤه بدنه.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3269_tafsir-men-wahi-alquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
