لا يحب الله الجهر بالسوء من القول
ليس للإنسان الحرية في أن يتكلم بما يحلو له من الكلمات التي تتعلق بأفعال الناس ، مما يوحي بالذم والانتقاص والسوء ، لأن ذلك يجعل الحياة الاجتماعية والفردية خاضعة للانفعالات السلبية الذاتية التي يحس بها الإنسان تجاه الآخرين ، فيسيء إليهم ويحطّم كرامتهم من دون معنى ؛ فيفقدون ـ على أساس ذلك ـ الشعور بالثقة والاطمئنان في مثل هذا المجتمع الذي يسمح فيه للأفراد أن يتكلموا بالسوء بما شاؤوا عمن شاؤوا ولمن شاؤوا ... ولذلك فقد اعتبر الإسلام ذلك منطقة محرمة على الإنسان ، لا يجوز له أن يأخذ حريته فيها. وفي هذا الجو ، كانت الغيبة التي هي «ذكرك أخاك بما يكره في ظهر الغيب» من الكبائر التي توعد الله عليها بإدخال صاحبها النار ، لعلاقتها بالحقوق الإنسانية الإيمانية التي تفرض عليك احترام أخيك في أسراره التي تطّلع عليها صدفة ، فلا تذكرها للآخرين. وهذا ما أرادت الآية أن تؤكد عليه ، لتربطه بالعلاقة الوثيقة بالله التي تدعو الإنسان المؤمن إلى أن يحبّ ما يحبه الله ويكره ما يكرهه ، لأن الإخلاص له يعني ذلك في ما يتصل بالأفكار والمشاعر والمواقف ؛ وذلك فحوى قوله تعالى : (لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) ، وهو الإعلان به وإظهاره بأية وسيلة من الوسائل.
وقد اختلف المفسرون في تفسير السوء من القول على أقوال : (أحدها) : لا يحب الله الشتم في الانتصار. (ثانيها) : لا يحب الله الجهر بالدعاء على أحد. (ثالثها) : إن المراد لا يحب أن يذمّ أحد أحدا أو يشكوه أو يذكره بالسوء. والظاهر أن الآية شاملة للجميع لصدق الجهر بالسوء على كل هذه الموارد.
ولما كان لكل قاعدة استثناء ، جاءت الآية لترخص للمؤمنين المظلومين الذين يعانون من قهر الظّلمة واستبدادهم ، في ما يتعلق بأنفسهم
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
