عند ما ارتدى رداء الكبرياء بين يدي الله ، (وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً). فلما أمهله الله إلى يوم القيامة ، ورأى نفسه مرذولا مهانا أمام تكريم الله لهذا المخلوق الجديد آدم ، أعلن الحرب عليه ، وقال : لآخذن من ذريته حصّة مفروضة لي ، أقتطعها لنفسي ، فأمارس معهم كل الأساليب التي تبعدهم عن الله وتنحرف بهم عن الطريق السويّ ؛ (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) وأقودهم إلى الضياع حيث لا يجدون أمامهم العلامات الهادية إلى مقاصدهم التي تفتح لهم أبواب الهدى ؛ (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) فأغرق كل تصوراتهم بالأحلام الخيالية والأماني المعسولة التي يعيش الإنسان معها في أجواء مسحورة بعيدة عن الحقيقة ، مما يؤدي إلى تخبّطه وإمعانه في ضلال التيه ، ويظل يركض وراء الأوهام فيبتعد رويدا رويدا عن نداء الحقيقة الإلهية المشرقة ؛ (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ) ، وذلك بأن يشقوا آذانها فتحرم ـ بذلك في زعمهم ـ عليهم وتكون للأصنام ؛ كما كان سائدا في الحياة العربية الجاهلية. وقد أراد الله أن يبيّن أنه من تسويلات الشيطان ، لأن التحريم والتحليل بيد الله ، فلا حرمة لما لم يحرمه الله ، فكيف يحكمون بحرمتها؟ (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ...) فسّر ذلك بالتغيير الجسدي ، واعتبر حلق اللحية أحد مصاديقه ، وجعلت هذه الآية دليلا لحرمته وقيل : إن من مصاديقه الخصاء الذي كان يستعمل للعبيد حتى يدخلوا على النساء من دون حرج ؛ وفسّره البعض بأنه التغيير المعنوي ، وهو تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهي التوحيد ، انطلاقا من قوله تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [الروم : ٣٠] ، وذلك بإبعادهم عنها في ما يعتقدون وما يعملون وما يتصفون به من أخلاق ...
وقد جاء في تفسير العياشي بإسناده عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليهالسلام قال : أمر الله بما أمر به ، وعن الإمام أبي جعفر محمد
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
