مهتدية ، لأن القضية مرتبطة بالمضمون والهدف لا بالشكل والموقع ... وإذا تحققت للإنسان مثل هذه الهجرة ، بجميع أسبابها ، كانت حياته سائرة في خدمة الله ، لأنه لا يعمل من أجل مطامحه الذاتية ، بل من أجل رسالة الله العامة. فإذا أدركه الموت وهو في الطريق ، كان موته في خط العمل ، وبذلك كان أجره على الله. وهذا ما عبّرت عنه الآية في قوله تعالى : (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً).
* * *
وجوب الهجرة من كل بلد يضعف فيه الإنسان دينيا
وربما تحدث المتحدثون ـ ولا سيما الفقهاء منهم ـ عن وجوب الهجرة من كل بلد يضعف فيه الإنسان دينيا مما قد يؤدي به ـ في نهاية المطاف ـ إلى الخروج من الدين ، وذلك من خلال الاستيحاء من الآية ، لأن مسألة ضغط المستكبرين لا خصوصية له إلا من حيث النتيجة السلبية التي قد تترتب على البقاء في مواقع سلطتهم ، فإذا عاش الإنسان في بلد تنطلق فيه قوّة الكفر في امتداد فكره وسيطرة قيمه وأخلاقه وعاداته بالمستوى الذي يضغط فيه على المؤمن وعلى أهله ويحاصره في أوضاعه الخاصة والعامة بحيث لا يملك التخلص من التأثر به ـ ولو بشكل لا شعوري ـ مما قد يؤدّي ـ في نهاية المطاف ـ إلى ما يشبه الكفر إذا لم يؤدّ به إلى الكفر المباشر ، وذلك في استسلامه الثقافي لثقافة الكفر وضعفه الروحي أمام روحيته ، وانحرافه الأخلاقي أمام أخلاقه ، وإذا كان يمكن أن يحفظ نفسه بعض الشيء من سيطرة الواقع الكافر على شخصيته ، فإنه لا يملك أن يحفظ أولاده وأهله من ذلك ، لأنهم لا يملكون أية مناعة ذاتية ضد السقوط تحت تأثير هذا الواقع الكافر أو الضال ، مما يجعل من بقائه في هذا البلد أو ذاك
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
