وأيّ عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله. وقد جاءت هاتان الآيتان لتؤكدا على هذه الحقيقة الإسلامية بشيء من التفصيل ؛ ففي حالات التحدي التي يواجهها المسلمون في معركتهم ضد الكفر والشرك والطغيان ، قد يقعد بعض الناس بسبب بعض الحالات المرضية التي قد تمنعهم عن القتال ؛ وهؤلاء معذورون لا ينقض من أجرهم شيء ، لأن الله لم يجعل على المؤمنين من حرج في ما يكلفهم به ، وقد يقعد البعض بسبب خوف أو حالة كسل أو استرخاء أو حبّ للدعة والراحة ، في الوقت الذي لم تصل فيه الدعوة إلى الجهاد إلى مستوى النفير العام ، بل كانت واجبا كفائيا يقوم بمن تسدّ بهم الحاجة ، وهؤلاء مأجورون في ما يقومون به من أعمال صالحة على المستوى الفردي والجماعي ، ولكنهم يخسرون الكثير الكثير من فرص الثواب الكبير الذي يحصل عليه المجاهدون في الجهاد ، الذين رفع الله منزلتهم عن المسلمين القاعدين ، وأعطاهم من مغفرته ورحمته الدرجات الرفيعة والأجر العظيم.
وقد تحدثت الآية عن المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، وعن تفضيلهم على القاعدين بطريقة مؤكدة ، وذلك ما يوحي به أسلوب التكرار ، فبدأت بقوله تعالى : (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ...) لتقرر التفضيل من جانبه السلبي من حيث عدم المساواة بين هذا الفريق وذاك ، ثم أوضحت الموضوع بخصوصيته الإيجابية (فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ...) والظاهر أن المراد من الدرجة ليس الوحدة في الأرقام الحسابية ، بل المبدأ من حيث النوع ، وذلك ما يوحيه وقوع الكلمة بعد فقرة عدم الاستواء ، لبيان أن هذا الفريق أعلى درجة من الفرق الأخرى ، فلا يتنافى مع الفقرة المذكورة في الآية التالية (دَرَجاتٍ مِنْهُ) ؛ ثم قررت الآية أن القعود لا يمثل خطيئة في ذاته ، عند ما لا يكون هناك إلزام بالجهاد (وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى) ؛ فلكل من
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
