الرسول هي النموذج الذي ينبغي للمؤمنين أن يصوغوا شخصيتهم على صورته ، فتتكامل لهم الشخصية المتوازنة التي تجمع في داخلها كل ما تحتاجه الحياة من عناصر الشخصية الفاعلة المؤثرة ، التي تقود الحياة من موقع المعاناة إلى أهدافها الكبيرة التي يريدها الله لها في مسيرتها إليه. وإذا كان الله قد كلف الرسول بالقتال في سبيله ، فإنه لم يحمّله في هذا الجانب إلا مسئولية نفسه ، تماما كأيّ مسلم يتحمل مسئولية عمله ، دون أن يحمل مسئولية غيره في ما يقوم به ، إلا بالمقدار الذي يتصل بمسؤوليته في إعداد المقدمات وتهيئة الأجواء ؛ ولكن الله أراد للرسول ـ في مسئوليته القيادية ـ أن يحرض المؤمنين على القتال ، بكل الأساليب التي تدفعهم إلى الإقبال عليه ، ليقفوا في مواجهة العدو صفا واحدا كالبنيان المرصوص ، لأن قوة الكافرين لا تضعف ولا تتحطم إلا إذا وقف المؤمنون كقوة مسلّحة في مواجهتهم ، فذلك هو الذي يحقق للساحة توازنها وقوتها ، تبعا لما أراده الله من جريان الأمور بأسبابها الطبيعية ، لأنه لم يشأ أن تتحرك قضايا النصر والهزيمة بطريقة المعجزة ، ليتحول الناس إلى عناصر تجلس في الظل في استرخاء ، وتتطلع إلى العدو ـ وهو يتقدم ـ ببلاهة ، لتنتظر المعجزة من السماء أن ترسل على العدو نارا تحرق كل أفراده وأسلحته ... إن وجود القوة المستعدة للمجابهة بكفاءة ، هي التي يمكن أن يرد الله من خلالها بأس الكافرين ، ومهما بلغ بأسهم ، فإن الله أشد بأسا وأشد تنكيلا ، فلا ينبغي للمؤمنين أن يأخذهم الرعب والخوف والهلع ما دامت قوتهم مستندة إلى قوة الله سبحانه.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
