الآيات التي يستفاد من ظاهرها التجسيم ، بإزاء الآيات التي يظهر منها عدمه ... وهكذا في ما اختلفت فيه أساليب التعبير ؛ فقد يطلق اللفظ الظاهر في معنى بحسب أصل الوضع ، ويراد منه المعنى الآخر على سبيل الكناية والمجاز بسبب بعض القرائن الصارفة للفظ عن معناه الحقيقي ، فيخيل للقارىء الساذج غير المتدبّر أن المراد به المعنى الحقيقي ، وذلك كما في الآيات التي تتحدث عن وجه الله ويده ، التي هي كناية عن ذاته وقدرته أو نعمته ، فيتوهم البعض أنها تعبير عن العضو الجسدي الخاص ، فيذهب إلى التجسيم ؛ ونحو ذلك مما سنتعرض له في موضعه من التفسير ، لأن للفظ العربي قواعد معينة مضبوطة في طريقته في التعبير عن المعنى ، فلا يجوز إغفالها في ما نريده من فهم الكلام القرآني ، لئلا نقع في الخطأ الناشئ عن عدم التدبر.
وقد يكون من المناسب أن نذكر ما حدث للفيلسوف إسحاق الكندي ـ فيلسوف العراق ـ الذي قيل إنه كتب كتابا في إثبات تناقض القرآن في آياته ، وشغل نفسه به ، وتفرد به في منزله ؛ وعرف الإمام الحسن بن علي العسكري ـ الإمام الحادي عشر من أئمة الشيعة الإمامية الاثنى عشر ـ بذلك ، وإن بعض تلامذته دخل على الإمام العسكري عليهالسلام ، فقال له : أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فقال التلميذ : نحن من تلامذته ، كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا وفي غيره؟ فقال له أبو محمد (وهي كنية الإمام العسكري عليهالسلام) : أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟ قال : نعم. قال : فصر إليه وتلطّف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله ؛ فإذا وقعت الأنسة في ذلك ، فقل : قد حضرتني مسألة أسألك عنها ، فإنه يستدعي منك ذلك ، فقل له : إن هذا المتكلم بهذا القرآن ، هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم به غير المعاني التي قد ظننت أنك ذهبت إليها ؛ فإنه سيقول لك : إنه من الجائز ، لأنه رجل يفهم ، فقل له : فما
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
