والجسدية ، وبذلك يرجع الأمر كله إلى الله وذلك ما يسمى بالسيئة أو الحسنة ، من دون أن يلغي ذلك إرادة الإنسان واختياره ، لأن ذلك من قبيل الأسباب العادية ، ولذلك فإن من الممكن أن ينسب العمل إليه بالذات بواسطة مباشرته له ، ولكن هؤلاء القوم (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) ، لأنهم لا يعرفون طبيعة الأشياء ، من خلال ما أودعه الله فيها من سننه الكونية والاجتماعية.
وإذا كانت هذه الآية ترجع الأمور كلها إلى الله ، باعتبار أنه مصدر كل شيء ، فإن الآية الأخيرة تنسب الحسنة إلى الله ، والسيئة إلى الإنسان وذلك قوله تعالى : (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ، ولعل القضية ترجع إلى اختلاف الحيثية ؛ فقد كانت الآية الأولى واردة في مورد الرد على الذين يتطيرون بالرسول ، فينسبون التأثيرات السيئة إليه ، فكان المناسب أن تعالج الفكرة على أساس أن العباد لا يملكون التأثير في مجريات الأمور ، لأن الله هو مصدر كل شيء ، فلا يملك أحد تبديل أيّ شيء وتغييره إلا بإذنه ؛ أما الآية الثانية ، فقد وردت في مورد الحديث عن تأثير أفعال العباد في حدوث كثير من المشاكل والأزمات والآلام ، باعتبار علاقة المقدمات بالنتائج ، وذلك لما أودعه الله من قانون السببية في الكون ؛ وبذلك أمكن نسبة السيئة إلى الإنسان ، وهي التعبير عن مظاهر المشاكل والآلام في حياة الإنسان. أما الحسنة ، فإنها إذا كانت تصدر من الإنسان بشكل مباشر ، فإن نسبتها إلى الله أكثر ، باعتبار ما أعدّه الله من مقدمات ، وما وجّه إليه من أعمال ، حتى أن إرادة الإنسان الخيّرة قد تحركت بفعل التوجيه الإلهي ، بينما الأمر في السيئة على العكس ، لأن التوجيه كان متعلقا برفض السير في هذا الاتجاه. وقد تحدث القرآن في أكثر من آية عن هذا الموضوع ، كما في قوله تعالى : (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ...) [الروم : ٤١] ، فلم يبق هناك أي تناف بين مفاد
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
